فهرس الكتاب
وأوجب عليه ذلك رأفة منه بك ثم رفع قلم التكليف عنك إلى أوان تكمل الأفهام وذلك عند الأحتلام ثم إلى أن صرت كهلًا لم يقطع عنك نوالًا ولا فضلا ثم إذا أنتهيت إلى الشيخوخة ثم إذا قدمت عليه ثم إذا حشرت إليه ثم إذا أقامك بين يديه ثم إذا سلمك من عقابه ثم إذا أدخلك دار ثوابه ثم إذا كشف عنك وجود حجابه وأجلسك مجالس أوليائه وأحبابه قال سبحانه أن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر فلاى أحسانه تشكر ولاي أياديه تذكر وأسمع قوله سبحانه، وما بكم من نعمة فمن الله: تعلم أنك لم تخرج عن أحسانه ولن يعدوك وجود فضله وأمتنانه اه كلامه في التنوير وهو شرح لهذه الحكمة لأشتماله على النعمتين إيجادًا وأمدادًا ومن نعمة الأمداد المعنوي نعمة الأسلام والأحسان وحفظ ذلك وأدامته علينا في كل وقت وحين وزيادة الترقي في المعرفة واليقين إلى يوم الدين فالحمد لله رب العالمين ثم المقصود بالنظر إلى هاتين النعمتين هو الأنسان وأن كانتا عامتين في جميع الأكوان إذ هو المطلوب بشكرها والتحدث بذكرها ولذلك خصه بالخطاب أنعم عليك أولًا بالإيجاد وثانيًا بتوالي الإمداد قلت توالي الأمداد هو تتابعه وأتصاله سواء كان حسيًا أو معنويًا ففي كل ساعة ولحظة أنت مفتقر إلى أمداده قلبًا وقالبًا كما أبان ذلك بقوله فاقتك لك ذاتية وورود الأسباب مذكرة لك بما خفي عليك منها والفاقة الذاتية لا ترفعها العوارض قلت الفاقة الذاتية هي الأصلية الحقيقة والأسباب المحركة لها هي العوارض الجلالية وهي كل ما يقهر النفس ويزعجها عن حظوظها وتصرفاتها العادية وإنما كانت فاقتنًا ذاتية لا تفارقنا ساعة واحدة لأن نشأتنا مركبة من حس ومعنى ولا يقوم الحس إلا بالمعنى والمعني هو أسرار الربوبية القائمة بالأشياء فأشباحنا مفتقرة في كل لحظة إلى نعمة الأمداد بعد نعمة الإيجاد ولا الحكمة إلا بالقدرة ولا البشرية إلا بالروحانية والروح سر من أسرار الله قال تعالى قل الروح من أمر ربي فالبدن قائم بالروح والروح أمر من أمر الله وكل شيء قائم بأمر الله فأفتقار البشرية للروحانية حاصل على الدوام قال تعالى في نعمة الأيجاد يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، فهذا هو الأفتقار إلى نعمة الإيجاد ثم قال في نعمة الأمداد أن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وهذا هو افتقارنا إلى النعمة الأمداد وقال تعالى في أفتقار بقية العالم أن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا فالكون كله قائم بأمر الربوبية مظهر من مظاهرها لا قيام له بدونها قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه الحق سبحانه مستبد والوجود مستمد والمادة من عين الجود فإذا أنقطعت المادة أنهد الوجود اه والمراد بالوجود ظهور الحس وعين الجود هو المعاني اللطيفة القديمة يعني أن الحق تعالى مستبد أي قائم بنفسه وظهور تجلياته مستمدة من باطن صفاته ومادة الأشياء كلها من عين الجود وهي نعمة الإيجاد والأمداد فإذا أنقطعت المادة أي مادة المعنى من الحس أضمحل الحس واضمحلت الأكوان فلو ظهرت صفاته أضمحلت مكوناته ففاقتك أي أفتقارك أيها الأنسان لك ذاتية أي أصلية حقيقية لكنها خفية وورود الأسباب المحركة لظهور تلك الفاقة وهي الشدة والحيرة وكل ما يلجئك إلي مولاك مذكرة لك ما خفي عنك منها يعني أن فاقتك لا تفارقك إذ كل لحظة تفتقر إلى من يمدك بالوجود في الساعة الثانية إلا أنها خفية لا تذكرها حتى يتحرك عليك أسباب ظهورها كالفتن والمرض وغيرهما والفاقة الأصلية الذاتية لا ترفعها العوارض وهي الصحة والعافية فما دام العبد في العافية ففاقته خفية لا يتفطن لها إلا العارفون لأنه لا يزول أضطرارهم فإذا قام عليه جلال أو محرك ظهر أفتقاره وتحقق أضطراره مع أنه دائم في الفاقة حسه ومعناه والله تعالى أعلم ثم أن رجوع الشيء إلى أصله مرغب فيه وخروجه عن أصله لا خير فيه وأصلك أيها الأنسان هو الفاقة والأضطرار والذلة والأنكسار فكل ما يردك إلى أصلك فهو لك في غاية الحسن والأختيار كما أبان ذلك بقوله خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك وترد فيه إلى وجود ذلتك قلت إنما كان شهود الفاقة هو خير أوقاتك لوجهين أحدهما ما في ذلك من تحقيق العبودية وتعظيم شأن الربوبية وفي ذلك شرف العبد وكماله إذ بقدر تحقيق العبودية في الظاهر يعظم شهود الربوبية في الباطن أو تقول بقدر العبودية