فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 311

فأنار الحق سبحانه ظواهر الكائنات بأنوار الظواهر وهي النجوم والقمر والشمس في الحسن وتزيين الخلق وأبداعه وتخصيصه وتقييده عن شكل معلوم في الأنوار الخفية وتهذيب الجوارح وتطهيرها من الأنوار المعنوية وأنار سبحانه القلوب والسرائر بأنوار أوصافه وهي عظيمة الربوبية وأوصافها فإذا أشرقت في سماء القلوب الصحية والأسرار الصافية غاب العبد عن شهود الأغيار وغرق في بحر الأنوار فتفني الأشكال والرسوم ولا يبقي إلا الحي القيوم ثم ذكر الفرق بين أنوار الظواهر وأنوار السرائر فقال لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر أي لأجل أن أنوار الظواهر إنما هي أنوار الأثر ومن شأن الأثر أن يتأثر ويتغير بالطلوع والغروب فأفلت أي غريب أنوار الظواهر أما بالغروب المعلوم أو بالعدم المحتوم ولم تأفل أي تغرب أنوار القلوب وهي أنوار الأسلام والإيمان وأنوار السرائر وهي أنوار الأحسان فأنوار الأسلام والإيمان هي أنوار التوجه وأنوار الأحسان هي أنوار المواجهة فالنور عبارة عن اليقين الذي يحصل في القلب يثمر حلاوة العمل فإذا قوي اليقين قوي النور وأشتدت الحلاوة حتى يتصل بحلاوة الشهود فيغطي حلاوة العمل فلذلك يقل عمل الجوارح عند العارف إذ حلاوة الشهود تغني عن كل شيء ليس الخبر كالعيان وفي بعض الأحاديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قل العلم بالله قالوا يا رسول الله سألناك عن العمل قال العلم بالله ثم قال في الثالثة عمل قليل كاف مع العلم بالله وحقيقة النور في الأصل كيفية تنبسط من النيرين على سطح الجسم فينكشف ما عليه بواسطة البصر ثم شبه به العلم واليقين والمعرفة لما بينهما من الشبه في كشف حقيقة الأشياء وتمييزها فالنور الحسي ينقطع بأنقطاع أصله والنور المعنوي الذي هو نور القلوب لا ينقطع أبدًا فلذلك أنشد الشيخ هذا البيت فقاله ولذلك قيل

أن شمس النهار تغرب بليل ... وشمس القلوب ليست تغيب

وليس هو من عند المؤلف بل هو لغيره وسيأتي في المناجاة بتمامه أن شاء الله قال الشيخ زروق رضي الله عنه فشمس القوب لا تغيب أبدًا بل هي دائمة لا تنقطع وباقية لا تنصرم لبقاء مددها وهي معاني الأوصاف الربانية ودوام محالها وهي الأفاق الروحانية فالمتعلق بها متعلق بحقيقة لا تنصرم ومن هذا الوجه كان غني القوم بالله لا بالأسباب وتعلقهم به لا بشيء دونه اه هذا آخر الباب العاشر وحاصلها ذكر كيفية الجزاء على الأعمال والزجر على طلبه وتحقيق معرفته في عطائه ومنعه والأعتناء بأقباله وقبوله لا بخدمته ودوام الأضطرار بين يديه والأفتقار إلى نعمته والأستيحاش من خلقه بدوام أنسه ثم أشراق أنواره على قلوب أوليائه وأسرار أصفيائه جزاء لأقبالهم عليه وأنحياشهم إليه فإذا أتحفهم بذلك وهيأهم لما هنالك تلي عليهم قوله أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم الآية كما نبه عليه في أول الباب الحادي عشر بقوله وقال رضي الله عنه ليخفف ألم البلاء عنك علمك بأنه سبحانه هو المبلي لك فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار قلت إذا أصابتك أيها الأنسان مصيبة أو نزلت بك بلية في بدن أو أهل أو مال فأذكر من أنزل ذلك عليك وما هو متصف به من الرحمة والرأفة بك والمحبة والعطف عليك لعلك تفهم ما في طي ذلك من النعم وما يعقبه من سوابغ الفضل والكرم ولو لم يكن ألا تطهيرك من الذنوب وتمحيصك من الغيوب وتقريبك من حضرة علام الغيوب فهل تعودت منه إلا الأحسان وهل رأيت منه إلا غاية المبرة والأمتنان فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار فالذي واجهتك منه أحكام قهره هو الذي عودك تمام أحسانه وبره فالذي واجهتك منه ظواهر المحن هو الذي أسبغ عليك بواطن المنن فالذي واجهتك من حضرة قهاريته الرزايا هو الذي أتحفك بأنواع الكرامات والهدايا ولله در صاحب العينية حيث يقول

تلذ لي الآلام إذ أنت مسقمي ... وأن تمتحني فهي عندي صنائع

تحكم بما تهواه في فانني ... فقير لسلطان المحبة طائع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت