فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 311

حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة الحاجب بالحاجب

وبإظهار هذا وأمثاله قتل رضي الله عنه فمن لطف الله تعالى ورحمته أن ستر ذلك السر بظهور نقائصه صوتًا لذلك السر أن يظهر لغير أهله ومن أفشاه لغير أهله قتل كما فعل بالحلاج وكما ستر سر الخصوصية بظهور أضدادها ظهر بعظمة الربوبية في مظاهر العبودية قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية اه إذ الربوبية تقتضي مربوبًا موصوفًا بضد ما أتصف به ربه من الكمالات الألهية والنعوت القدسية فما ظهرت أوصاف الربوبية التي هي الغنى والعز والقدرة وغير ذلك من الكمالات إلا في أضدادها من الفقر والذل والضعف وغير ذلك فالفقر الحقيقي شامل لسائر الموجودات والغنى المطلق واجب لمن تجلى في الأرض والسموات يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد فإذا تقرر هذا علمت أن الأضافة في سر الخصوصية ليست هي للبيان بل هي للتخصيص فسر الخصوصية غيرها إذا الخصوصية هي النور الذي يقذفه الله سبحانه في قلوب أوليائه وسرها هو الكمالات التي تلازم ذلك النور كما تقدم وأعلم أن سر الخصوصية الذي جعله الله في بواطن أوليائه وستره بظهور وصف بشريتهم قد يظهره عليهم على وجه خرق العادة فقد يظهر على وليه من قدرته وعلمه وسائر كمالاته ما تحار فيه العقول وتذهل فيه الأذهان لكن لا يدوم ذلك لهم بل يكون على سبيل الكرامات وخرق العادات يشرق عليهم شموس أوصافه فيتصفون بصفاته ثم يقبض ذلك عنهم فيردهم إلى حدودهم فنور الخصوصية وهي المعرفة ثابت لا يزول ساكن لا يحول وسرها وهو كمالاته تعالى تارة يشرق على أفق بشريتهم فيستنير بأوصاف الربوبيه وتارة ينقبض عنهم فيردون إلى حدودهم وشهود عبوديتهم فالمعرفة ثابته والواردات مختلفة والله تعالىأعلم وأعلم أيضًا أن أوصاف البشرية التي ستر الله بها سر الخصوصية إنما هي الأوصاف الذاتية اللازمة للبشر كالأكل والشرب والنوم والنكاح لا الأوصاف المذمومة المناقضة للعبودية كالكبر والعجب والحسد والغضب وغير ذلك فإن تلك أوصاف ذهبت بظهور نور العناية وسابق الهداية إذ لا تثبت الخصوصية إلا بعد محوها بخلاف الأوصاف الذاتية فإنها تجامع الخصوصية كما سيأتي أن شاء الله بل هي حجابها وصوانها وبوجودها وقع الستر والخلفاء لأولياء الله تعالى غيرة عليهم أن يعرفهم من لا يعرف قدرهم قال في لطائف المنن فأولياء الله أهل كهف الأيواء فقليل من يعرفهم وسمعت الشيخ أبا العباس رضي الله عنه يقول معرفة الولي أصعب من معرفة الله فإن الله معروف بكماله وجماله ومتى تعرف مخلوق مثلك يأكل كما تأكل ويشرب كما تشرب وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته وأشهدك وجود خصوصيته اه تنبيه هذا النور الذي أشرقه الله في قلوب أوليائه كان كامنًا في الروح في أصل بروزها فأصلها نورانية عالمة بأسرار الغيب دراكة للأشياء على حقيقتها وإنما حجبها عن ذلك سجنها في هذا البدن الطيني وأشتغالها بحظوظه وشهواته فمن أدبها وريضها على يد شيخ كامل رجعت إلى أصلها قال في المباحث

ولم تزل كل نفوس الأحيا ... علامة دراكة للأشيا

وإنما تعوقها الأبدان ... والأنفس النزع والشيطان

فكل من أذاقهم جهاده ... أظهر للقاعد خرق العاده

فإذا كمل تطهير الروح من الأغيار وأشرقت عليها شموس الأنوار كوشفت بأسرار الذات وأنوار الصفات فغرقت في بحر التوحيد الذي تكل عنه العبارة ولا تلحقه الأشارة وهو التوحيد الخاص الذي أشار إليه الهروي بقوله

ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وحده جاحد

توحيد من ينطق عن نعته ... عارية أبطلها الواحد

توحيده أياه توحيده ... ونعت من ينعته لأحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت