فهرس الكتاب
قال وهب بن منبه رضي الله عنه قرأت في بعض الكتب يا أبن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني بما يصلحك أني عالم بخلقي إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري ولست بناظر في حق عبدي حتى ينظر عبدي في حقي وأعظم الآداب وأكملها أمتثال أمره والأستسلام لقهره كما نبه عليه بقوله متى جعلك في الظاهر ممتثلًا لأمره وفي الباطن مستسلمًا لقهره فقد أعظم المنة عليك قلت إنما كان من أعظم المنة لأنه شاهد المعرفة التي هي منتهي الهمم وأقصي غاية النعم فأمتثال الأمر في الظاهر يدل على كمال الشريعة وتحقيق العبودية والأستسلام للقهر في الباطن يدل على كمال الطريقة ونهاية الحقيقة والجمع بينهما هو غاية الكمال إذ منتهي الكمالات الشرائع فمتي جعلك أيها الأنسان في الظاهر ممتثلًا لأمره ومجتنبًا لنهيه وفي الباطن مستسلمًا لقهره فقد أعظم المنة عليك حيث أراح ظاهرك من عنت المخالفة وأراح باطنك من تعب المنازعة أو تقول حيث زين ظاهرك بالطاعة وزين باطنك بالمعرفة فالواجب عليك أن تشكر هذه النعمة وتعرف قدرها حتى تعظم محبة الله في قلبك وذلك أقصى مرادك وقصدك والله ذو الفضل العظيم ومتى أثبت لك هذا الأمر فقد خلصك من نفسك وحررك من رق حظك فلا تبال معها ما فاتك من تخصيص الكرامات الحسية لأنها أمور وهمية كما أشار إلى ذلك ليس كل من ثبت تخصيصه كمل تخليصه قلت المراد هنا بالتخصيص تخصيصه بالكرامات الحسية والمراد بالتخليص تخليصه من رق الحظوظ ومن بقية السوى فليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات الحسية كمل تخليصه من حظوظه النفسية ليس كل من ثبت تخصيصه بالكرامات كمل تخليصه من العوائد والشهوات بل قد يعطي الكرامة الحسية بعض من لم يتخلص من حظوظه النفسية وحكمة ظهورها عليه ثلاثة أمور أحدها أنهاضه في العمل لحصول فترة أو وقعة الثاني أختبار له هل يقف معها فيحجب أو يأنف عنها فيقرب الثالث زيادة في يقينه أو يقين الغير فيه لينتفع به فهي مقصودة بالتكميل على كل حال قال سهل رضي الله عنه لرجل قال له أني أتوضأ فأجد الماء يسقط من يدي قضبان ذهب وفضة فأجابه بقوله أما علمت أن الصبيان إذا بكوا أعطوا خشخاشة يشتغلون بها قال بعض العلماء ما رأيت هذه الكرامات إلا على أيدي اليله من الصادقين اه قلت الكرامة العظمى هي المعرفة والأستقامة ورفع الحجاب وفتح الباب فلا كرامة أعظم من هذا وسيأتي الكلام على هذا المعنى بعد أن شاء الله ويحتمل أن يريد بالتخصيص تخصيص التقريب والهداية فليس كل من ثبت تخصيصه بالهداية وشروق الأنوار كمل تخليصه من رؤية الأغيار فقد يخصص بالمجاهدة والمكابدة ولا يتحف بالمعرفة والمشاهدة قوم أقامهم لخدمته وقوم أختصهم بمحبته كما تقدم فالعباد والزهاد ثبت تخصيصهم فهم من عوام المقربين ولم يكمل تخليصهم من شهود السوى حتى يكونوا من خواص العارفين وبالله التوفيق هذا آخر الباب الحادي عشر وحاصلها تحقيق الأدب في التعرفات الجلالية بدوام معرفته وشهود نعمته في نعمته وجريان لطفه وبره في حال قضائه وقدره حتى لا يغلبك الهوى فتلتبس عليك سبل الهدى أو تقف مع ظاهر الأشياء التي هي محل الجلال فتحجب عن البواطن التي هي مستقر الجمال فالذات جلال والصفات جمال فمن وقف مع ظواهر الجلال حجب عن شهود الجمال وحرم من معرفة الرجال وكان محجوبًاعن ذي العظمة والجلال فيسيء الأدب ويحرم حصول المطلب فإذا أستدركته العناية وهبت عليه ريح الهداية شغل ظاهره بوظائف العبودية وباطنه بشهود الربوبية فكان في الظاهر ممتثلًا لأمره وفي الباطن مستسلمًا لقهره فتمت عليه نعمة مولاه وكمل تخليصه من رق حظوظه وهواه فح يعظم ما عظم مولاه ولا يستحقر شيئًا من أسباب محبته ورضاه كما أبان ذلك في أول الباب الثاني عشر بقوله وقال رضي الله عنه لا يستحقر الورد إلا جهول الوارد يوجد في الدار الآخرة والورد ينطوي بأنطواء هذه الدار وأولى ما يعتني به ما لا يخلف وجوده الورد هو طالبه منك والوارد أنت تطلبه منه وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه قلت الورد في اللغة هو الشرب قال تعالى بئس الورد المورود وفي الأصطلاح ما يرتبه العبد على نفسه أو الشيخ على تلميذه من الأذكار والعبادات والوارد في اللغة هو الطارق والقادم يقال ورد علينا فلان أي قدم وفي الأصطلاح ما يتحفه الحق تعالى قلوب أوليائه من النفحات الألهية فيكسبه قوة