فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 311

لا فكرة فيها ولا نهوض لفكرة لا عزلة معها إذ المقصود من العزلة هو تفرغ القلب والمقصود من التفرغ هو جولان القلب وإشتغال الفكرة والمقصود من إشتعال الفكرة تحصيل العلم وتمكنه من القلب وتمكن العلم بالله من القلب هو دواؤه وغاية صحته وهو الذي سماه الله القلب السليم قال الله تعالى في شأن القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم أي صحيح وقد قالوا إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت ولا ينفعها إلا الحمية وهي قلة موادها ومنعها من كثرة الأخلاط وفي الحديث المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وكذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر وأستحوذ عليه الحس مرض وربما مات ولا ينفعه إلا الحمية منها والفرار من مواطنها وهي الخلطة فإذا إعتزل عن الناس وإستعمل الفكرة نجح دواؤه وإسقام قلبه وإلا بقي سقيمًا حتى يلقى الله بقلب سقيم بالشك والخواطر الرديئة نسأل الله العافية قال الجنيد رضي الله عنه أشرف المجالس الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه ثمار العزلة الظفر بمواهب المنة وهي أربعة كشف الغطاء وتنزل الرحمة وتحقق المحبة ولسان الصدق في الكلمة قال الله تعالى فلما إعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له الآية اه وأعلم أن في الخلوة عشر فوائد الأولى السلامة من آفات اللسان فإن من كان وحده لا يجد معه من يتكلم وقد قال عليه السلام رحم الله عبدًا سكت فسلم أو تكلم فغنم ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثر الخلوة على الإجتماع وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه إذا رأيت الفقير يؤثر الخلوة على الإجتماع والصمت على الكلام والصيام على الشبع فأعلم أن حبجه قد عسل وإذا رأيته يؤثر الخلطة والكلام والشبع على ضدها فأعلم أن حبجه خاوي وقال في القوت وفي كثرة الكلام قلة الورع وعدم التقوى وطول الحساب ونشر الكتاب وكثرة الطالبين وتعلق المظلومين بالظالمين وكثرة الإشهاد من الكرام الكاتبين ودوام الإعراض عن الملك الكريم لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان وفيه الكذب وفيه الغيبة والنميمة والزور والبهتان ثم قال وفي الخبر أكثر خطايًا ابن آدم في لسانه وأكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في مالًا يعني اه الفائدة الثانية حفظ البصر والسلامة من آفات النظر فإن من كان معتزلًا عن الناس سلم من النظر إليهم وإلى ما هم منكبون عليه من زهرة الدنيا وزخرفها قال تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه فتمنع بذلك النفس من التطلع إليها والإستشراف لها ومنافسة أهلها وقال محمد بن سيرين رضي الله عنه إياك وفضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة وقال بعض الأدباء من كثرت لحظاته دامت حسراته وقالوا أن العين سبب الحين أي الهلاك ومن أرسل طرفه أقتنص حتفه وأن النظر بالبصر إلى الأشياء يوجب تفرقة القلب اه الفائدة الثالثة حفظ القلب وصوته عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض قال بعض الحكماء من خالط الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا وقال بعض الصوفية قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى الله كيف الطريق إلى التحقيق قال لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت لا بد لي قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة قلت أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم قال فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة قلت هذا لعله يكون قال يا هذا تنظر إلى الاعبين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتسكن إلى الهالكين وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع غير الله هيهات هذا لا يكون أبدًا ثم غاب عني وقال القشيري رضي الله عنه فأرباب المجاهدة إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الرديئة لم ينظروا إلى المستحسنات أي من الدنيا قال وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضة الفائدة الرابعة حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها وفي ذلك شرف العبد وكماله وسبب محبته عند مولاه لقوله صلى الله عليه وسلم أزهد في الدنيا يحبك الله أزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس اه ولا شك أن من انفرد عن الناس ولم ينظر إلى ما هم فيه من الرغبة في الدنيا والإنكباب عليها يسلم من متابعتهم في ذلك ويسلم من متابعة الطباع الرديئة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت