فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 311

فالحق تعالى واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله فلا شيء قبله ولا شيء بعده ولا شيء معه ثم ذكر الثامن فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء قال تعالى"ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"وقال تعالى"ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون"وقال تعالى"وكان الله على كل شيء رقيبًا وأن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى"وقربه تعالى قرب علم وإحاطة وشهود لأقرب مسافة إذ لا مسافة بينك وبينه وتقدم في الحديث وأن الله ما حل في شيء ولا غاب عن شيء وقال سيدنا علي كرم الله وجهه الحق تعالى ليس من شيء ولا في شيء ولا فرق شيء ولا تحت شيء إذ لو كان من شيء لكان مخلوقًا ولو كان فوق شيء لكان محمولًا ولو كان في شيء لكان محصورًا ولو كان تحت شيء لكان مقهورًا اه وقيل له يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا أو هل له مكان فتغير وجهه وسكت ساعة ثم قال قولكم أين الله سؤال عن مكان وكان الله ولا مكان ثم خلق الزمان والمكان وهو الآن كما كان دون مكان ولا زمان اه وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه قيل لي يا علي بي قل وعلى دل وأنا الكل اه هذا كما في حديث البخاري يقول الله تعالى بسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر وتفسيره ما في الحديث قبله والله تعالى أعلم ثم ذكر التاسع فقال كيف يتصور أن يحجبه شيء ولولاه لما ظهر وجود كل شيء قال تعالى"وخلق كل شيء فقدره تقديرًا"وقال تعالى"إنا كل شيء خلقناه بقدر"فكل ما ظهر في عالم الشهادة فهو فائض من عالم الغيب وكل ما برز في عالم الملكوت فهو فائض من بحر الجبروت فلا وجود للأشياء إلا منه ولا قيام لها إلا به ولا نسبة لها معه إذ هي عدم محض وعلى توهم وجودها فهي حادثة فانية ولا نسبة للعدم مع الوجود ولا للحادث مع القديم ولذلك تعجب الشيخ من إجتماعهما فقال يا عجبًا كيف يظهر الوجود في العدم أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم قلت وهذا هو العاشر فالوجود والعدم ضدان لا يجتمعان والحادث والقديم متنافيان لا يلتقيان وقد تقرر أن الحق واجب الوجود وكل ما سواه عدم على التحقيق فإذا ظهر الوجود أنتفي ضده وهو العدم فكيف يتصور أن يحجبه وهو عدم فالحق لا يحجبه الباطل قال تعالى"فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال"فلا وجود للأشياء مع وجوده فأنتفي القول بالحلول إذ الحلول يقتضي وجود السوي حتى يحل فيه معنى الربوبية والفرض أن السوي عدم محض فلا يتصور الحلول وإلى هذا أشار في العينية بقوله

ونزهه في حكم الحلول فما له ... سوى وإلى توحيده الأمر راجع

والقديم والحادث لا يلتقيان فإذا قرن الحادث بالقديم تلاشي الحادث وبقي القديم قال رجل بين يدي الجنيد رضي الله عنه الحمد لله ولم يقل رب العالمين فقال له الجنيد كمله يا أخي فقال له الرجل وأي قدر للعالمين حتى يذكروا معه فقال الجنيد قله يا أخي فإن الحادث إذا قرن بالقديم تلاشي الحادث وبقي القديم اه فقد تقرر أن الأشياء كلها في حيز العدم إذ لا يثبت الحادث مع من له وصف القدم فأنتفى القول بالإتحاد إذ معنى الإتحاد هو إقتران القديم مع الحادث فيتحدان حتى يكونا شيئًا واحدًا وهو محال إذ هو مبني أيضًا على وجود السوي ولا سوي وقد يطلقون الإتحاد على الوحدة كقول ابن الفارض

وهامت بها روحي بحيث تمازجا ... إتحادًا ولا جرم تخلله جرم

فأطلق الإتحاد على إتصال الروح بأصلها بعد صفائها ولذلك قال بعده ولا جرم تخلله إلخ فتحصل أن الحق سبحانه واحد في ملكه قديم أزلي باق أبدي منزه عن الحلول والإتحاد مقدس عن الشركاء والأضداد كان ولا أين ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان ومما ينسب لسيدنا علي كرم الله وجهه

رأيت ربي بين قلبي ... فقلت لا شك أنت أنت

أنت الذي حزت كل أين ... بحيث لا أيبن ثم أنت

فليس للأين منك أين ... فيعلم الأين أين أنت

وليس للوهم فيك وهم ... فيعلم الوهم كيف أنت

أحطت علمًا بكل شيء ... فكل شيء أراه أنت

وفي فنائي فنا فنائي ... وفي فنائي وجدت أنت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت