فهرس الكتاب
وسئل أبو الحسن النوري رضي الله عنه أين الله من مخلوقاته فقال كان الله ولا أين والمخلوقات في عدم فكان حيث هو وهو الآن حيث كان إذ لا أين ولا مكان فقال له السائل وهو علي بن ثور القاضي في قصة محنة الصوفية فما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة فقال عز ظاهر وملك قاهر ومخلوقات ظاهرة به وصادرة عنه لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها قال له صدقت فأخبرني ماذا أراد الله بخلقها قال ظهور عزته وملكه وسلطانه قال صدقت فأخبرني ما مراده من خلقه قال ما هم عليه قال أو يريد من الكفرة الكفر قال أفيكفرون به وهو كاره ثم قال أخبرني ماذا أراد الله بإختلاف الشيع وتفريق الملل قال أراد إبلاغ قدرته وبيان حكمته وإيجاب لطفه وظهور عدله وإحسانه اه المراد منه وفيه إشارة إلى أن تجليات الحق على ثلاثة أقسام قسم أظهرهم ليظهر فيهم كرمه وإحسانه وهم أهل الطاعة والإحسان وقسم أظهرهم ليظهر فيهم عفوه وحلمه وهم أهل العصيان من أهل الإيمان وقسم أظهرهم ليظهر فيهم نقمته وغضبه وهم أهل الكفر والطغيان فهذا سر تجليه تعالى في الجملة والله تعالى أعلم فذلكة حاصل ما اشتمل عليه هذا الباب من أول الكتاب ثلاثة أمور عمل الشريعة والطريقة والحقيقة أو تقول عمل الإسلام والإيمان والإحسان وهي البداية والوسط والنهاية ومن علامة النجح في النهاية الرجوع إلى الله في البداية فأمرك بالرجوع إليه والإعتماد عليه دون الأعتماد على العمل مع وجود العمل ثم ذلك على الأدب في حال التجريد والأسباب ثم نهاك في حالة المسير عن شغل باطنك بكد التدبير فإنه سبب التكدير ثم أنهضك إلى الإجتهاد في الأعمال المطلوبة منك مع التقصير فيما هو مضمون لك ليكون سببًا في فتح بصيرتك ومن جملة ما هو مضمون ما تطلبه بدعائك فلا تستعجل ما تأخر عن وقته ولا تيأس من رحمته وإذا وعدك بشيء فلا تشك في وعده ولا تتهمه فيما ينزل بك من تعرفاته وقهره فهذه أعمال أهل البدايات أختلفت أجناسها بإختلاف أحوالهم فقوله من علامة الإعتماد على العمل إلى قوله الأعمال صور قائمة كله من عمل الشريعة الذي هو مقام الإسلام وقوله الأعمال صور قائمة إلى قوله الكون كله ظلمة هو من عمل الطريقة الذي هو مقام الإيمان ومداره على تخليص الباطن وتهذبيه فأمرك بالإخلاص والصدق وهو سر الإخلاص والخمول لأنه محله ومظهره والعزلة لتتمكن من الفكرة وتصفية مرآة القلب من صور الأكوان لتتهيأ لأشراق شموس العرفان ثم فتح لك الباب ورفع عنك الحجاب وقال لك ها أنت وربك وهو قوله الكون كله ظلمة إلى آخر الباب فقد قطع لك توهم الحجاب من جميع الوجوه فجزاه الله أحسن جزائه ومتعه برضوانه مع أنبيائه وأحبائه وخرطنا في سلكهم مع كافة الأحباب أمين ولما أدخلك الحضرة دلك على آدابها فقال في أول الباب الثاني مترجمًا عنها من بعض التلامذة بقوله وقال رضي الله عنه وجملة أبوابه خمسة وعشرون بابًا وثلاث رسائل وجواب ثم مناجات فلما فرع من الباب الأول أشار إلى الباب الثاني فقال وقال رضي الله عنه ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه الجهل هو ضد العلم وقيل هو عدم العلم بالمقصود وهو على قسمين بسيط ومركب فالبسيط أن يجهل ويعلم أنه جاهل والمركب أن يجهل جهله وأقبح الجهل الجهل بالله وإنكاره بعد طلب معرفته قلت من آداب العارف الحقيقي أن يقر الأشياء في محلها ويسير معها على سيرها فكلما أبرزته القدرة للعيان فهو في غاية الكمال والإتقان وفي ذلك قال صاحب العينية رضي الله عنه
وكل قبيح إن نسبت لحسنه ... أتتك معاني الحسن فيه تسارع
يكمل نقصان القبيح جماله ... فما ثم نقصان ولا ثم باشع