فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 311

وقال أبو الحسن النوري رضي الله عنه مراد الله من خلقه ما هم عليه فإذا أقام الله عبدًا في مقام من المقامات فالواجب على العارف أن يقره فيه بقلبه كائنًا ما كان فإن كان لا تسلمه الشريعة رغبة في الخروج عنه بالسياسة وينظر ما يفعل الله قال بعضهم من عامل الخلق بالشريعة طال خصمه معهم ومن عاملهم بالحقيقة عذرهم والواجب أن يعاملهم في الظاهر بالشريعة فيذكرهم وفي الباطن بالحقيقة فيعذرهم ومن أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله تعالى في نفسه أو في غيره فقد جمع الجهل كله ولم يترك منه شيئًا حيث عارض القدر ونازع القادر وقد قال تعالى إن ربك فعال لما يريد ولو شاء ربك ما فعلوه ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وفي بعض الأخبار يقول الله تبارك وتعالى من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلايي فليخرج من تحت سمائي وليتخذ ربًا سواي وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحب إلى من أن أقول لشيء كان ليته لم يكن أو لشيء لم يكن ليته كان وقال أبو عثمان رضي الله عنه منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حال فكرهته ولا نقلني إلي غيره فسخطته وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه في كتابه من عرف أهل حقائق الظاهر ولم ينكر عليهم شيئًا من أحوالهم يظفر بما في أيديهم ولا يمنع خيرهم قطعًا ومن عرف أهل حقلئق الباطن ولم ينكر عليهم شيئًا من أحوالهم يظفر بما في إأيديهم على كل حال العارف بالله يجمع بين خير الفرقتين يصطحب معهما جميعًا وكل فرقة يتلون على لونها كشيخ شيوخنا رضي الله عنهم سيدي أحمد اليماني نفعنا الله به كان رضي الله عنه ممن لا ينكر حالًا من أحوال الخلق أهل الظاهر يتلمذهم في ظواهرهم ويدفعهم إليها ويقرهم فيها وأهل البواطن يتلمذهم في بواطنهم ويدفعهم إليها ويقرهم فيها فحصل له خير الفرقتين بما رزقه الله من المعرفة والحكمة قيل أن الولي الكامل يتطور بجميع الأطوار يقضي جميع الأوطار اه قلت ومن تأمل الأحاديث النبوية وجدها على هذا المنوال لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان سيد العارفين وقدوة المربين فكان يقر الناس على ما أقامهم الله في حكمتهم ويرغبهم فيها فلذلك تجد الأحاديث متعارضة ولا تعارض في الحقيقة فإذا نظرت في أحاديث الذكر قلت لا أفضل منه وإذا نظرت في أحاديث الجهاد قلت لا أفضل منه وإذا نظرت في أحاديث فضل العلم قلت لا أفضل منه وإذا نظرت في أحاديث الزهد والتجريد من أسباب الدنيا قلت أفضل منه وإذا نظرت في أحاديث الكسب والخدمة على العيال كذلك فكل حكمة رغب النبي صلى الله عليه وسلم فيها حتى تقول لا أفضل منها تطييبًا لخاطر أهلها ليكونوا فيها على بينة من ربهم ولم يأمرهم عليه السلام بالإنتقال عنها إذ مراد الله منهم هو تلك الحكمة فأقرهم عليه السلام عليها ورغبهم فيها حتى يظن من يسمع أحاديثها أنه لا أفضل منها وهو كذلك إذ لا أفضل منها في حق أهلها والحاصل أن العارف لا ينكر شيئًا ولا يجهل شيئًا وقد قال بعض العارفين ليس في الإمكان أبدع مما كان وتأويله أن ما سبق في علم الله يكون لا يمكن غيره فلا أبدع منه وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله والله تعالى أعلم ثم ذكر الأدب الثاني من آداب الحضرة القدسية وهي ترك الرعونات البشرية فقال أحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونات النفوس الإحالة على الشيء هو تسليطه وإغراؤه عليه والمراد هنا توقف الأمر عليه بحيث لا يتوجه له حتى يتيسر وجوده والفراغ من الشيء خلوه منه وفراغ القلب خلوه مما يشغله وفراغ الجوارح خلوها من الأشغال والرعونة نوع من الحمق قلت من آداب العارف أن يكون كامل العقل ثاقب الذهن ومن علامة العقل إنتهاز الفرصة في العمل ومبادرة العمر من غير تسويف ولا أمل إذ ما فات منه لا عوض له وما حصل لا قيمة له وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا وأن من علامة العقل التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكني القبور والتأهب ليوم النشور وقال صلى الله عليه وسلم الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمني على الله الأماني اه والكيس هو العاقل ودان نفسه حاسبها وفي صحف إبراهيم عليه السلام وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت