فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 311

فالراحلون وهم السائرون للأنوار لأفتقارهم إليها وفرحهم بها وهؤلاء الواصلون الأنوار لهم لأستغنائهم عنها بالله فهم لله وبالله لا لشيء دونه ثم تلي الشيخ هذه الآية على طريق أهل الأشارة قل الله بقلبك وروحك وغب عما سواه ثم ذر الناس أي أتركهم في خوضهم يلعبون أي يخوضون في السوي لاعبين في الهوى وقد أعترض بعض المفسرين على الصوفية أستشهادهم بهذه الآية ولم يفهم مرادهم قد علم كل أناس مشربهم وكان الشيخ ابن عباد يقول لا تجعلوا أهل الظاهر حجة على أهل الباطن اه أي لأن أهل الباطن نظرهم دقيق وغزلهم رقيق لا يفهم أشارتهم غيرهم نفعنا الله بهم وخرطنا في سلكهم آمين هذا آخر الباب الثاني وحاصلها آداب العرف وعلاماته فالآداب ثمانية والعلامات أربع الرجوع إليه في كل شيء والأعتماد عليه في كل حال والغيبة فيه عن كل شيء والأستدلال به على كل شيء وأتساع أرزاق العلوم وفتح مخازن الفهوم والوصل إلى مواجهة الأنوار والغيبة عنها بشهود الواحد القهار ثم أفتتح الباب الثالث بذكر التخلية والتحلية فقال وقال رضي الله عنه تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب التشوف إلى الشيء الأهتمام به والتطلع له قلت تشوفك أيها الأنسان إلى ما بطن فيك من العيوب كالحسد والكبر وحب الجاه والرياسة وهم الرزق وخوف الفقر وطلب الخصوصية وغير ذلك من العيوب والبحث عنها والسعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب كالأطلاع على أسرار العباد وما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة وكالأطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك وحياة قلبك سبب في الحياة الدائمة والنعيم المقيم والأطلاع على الغيوب إنما هو فضول وقد يكون سببًا في هلاك النفس كأتصافها بالكبر ورؤية المزية على الناس وسيأتي للشيخ من أطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الألهية كان إطلاعه فتنة عليه وسببًا يجر الوبال إليه وأعلم أن العيوب ثلاثة عيوب النفس وعيوب القلب وعيوب الروح فعيوب النفس تعلقها بالشهوات الجسمانية كطيب المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن والمناكح وشبه ذلك وعيوب القلب تعلقه بالشهوات القلبية كحب الجاه الرياسة والعز والكبر والحسد والحقد وحب المنزلة والخصوصية وشبه ذلك مما يأتي أن شاء الله في أوصاف البشرية وعيوب الروح تعلقها بالحظوظ الباطنية كطلب الكرامات والمقامات والقصور والحور وغير ذلك من الحروف فتشوف المريد إلى شيء من ذلك كله قادح في عبوديته مانع له من القيام بحقوق ربوبيته فأشتغاله بالبحث عن عيوبه النفسانية والقلبية والروحانية وسعيه في التطهير من جميع ذلك أولى من تشوفه إلى ما حجب عنه من علم الغيوب كما تقدم وبالله التوفيق ولما ذكر التخلية ذكر ثمرتها وهي التحلية بالمعرفة إذ ما منع منها إلا تشوف النفس أو القلب أو الروح إلى حظوظها الوهمية فقال الحق ليس بمحجوب عنك إنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده قلت الحق تعالى محال في حقه الحجاب فلا يحجبه شيء لأنه ظهر بكل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء فلا ظاهر معه ولا موجود في الحقيقة سواه فهو ليس بمحجوب عنك وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه لأعتقادك الغيرية وتعلق قلبك بالأمور الحسية فلو تعلق قلبك بطلب المولى وأعرضت بالكلية عن رؤية السوى لنظرت إلى نور الحق ساطعًا في مظاهر الأكوان وصار ما كان محجوبًا عنك بالوهم في معد الشهود والعيان ولله در القائل

لقد تجلى ما كان مخبي ... والكون كله طويت طي

مني على دارت كؤسي ... من بعد موتي تراني حي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت