فهرس الكتاب
فالراحلون وهم السائرون للأنوار لأفتقارهم إليها وفرحهم بها وهؤلاء الواصلون الأنوار لهم لأستغنائهم عنها بالله فهم لله وبالله لا لشيء دونه ثم تلي الشيخ هذه الآية على طريق أهل الأشارة قل الله بقلبك وروحك وغب عما سواه ثم ذر الناس أي أتركهم في خوضهم يلعبون أي يخوضون في السوي لاعبين في الهوى وقد أعترض بعض المفسرين على الصوفية أستشهادهم بهذه الآية ولم يفهم مرادهم قد علم كل أناس مشربهم وكان الشيخ ابن عباد يقول لا تجعلوا أهل الظاهر حجة على أهل الباطن اه أي لأن أهل الباطن نظرهم دقيق وغزلهم رقيق لا يفهم أشارتهم غيرهم نفعنا الله بهم وخرطنا في سلكهم آمين هذا آخر الباب الثاني وحاصلها آداب العرف وعلاماته فالآداب ثمانية والعلامات أربع الرجوع إليه في كل شيء والأعتماد عليه في كل حال والغيبة فيه عن كل شيء والأستدلال به على كل شيء وأتساع أرزاق العلوم وفتح مخازن الفهوم والوصل إلى مواجهة الأنوار والغيبة عنها بشهود الواحد القهار ثم أفتتح الباب الثالث بذكر التخلية والتحلية فقال وقال رضي الله عنه تشوفك إلى ما بطن فيك من العيوب خير من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب التشوف إلى الشيء الأهتمام به والتطلع له قلت تشوفك أيها الأنسان إلى ما بطن فيك من العيوب كالحسد والكبر وحب الجاه والرياسة وهم الرزق وخوف الفقر وطلب الخصوصية وغير ذلك من العيوب والبحث عنها والسعي في التخلص منها أفضل من تشوفك إلى ما حجب عنك من الغيوب كالأطلاع على أسرار العباد وما يأتي به القدر من الوقائع المستقبلة وكالأطلاع على أسرار غوامض التوحيد قبل الأهلية له لأن تشوفك إلى ما بطن من العيوب سبب في حياة قلبك وحياة قلبك سبب في الحياة الدائمة والنعيم المقيم والأطلاع على الغيوب إنما هو فضول وقد يكون سببًا في هلاك النفس كأتصافها بالكبر ورؤية المزية على الناس وسيأتي للشيخ من أطلع على أسرار العباد ولم يتخلق بالرحمة الألهية كان إطلاعه فتنة عليه وسببًا يجر الوبال إليه وأعلم أن العيوب ثلاثة عيوب النفس وعيوب القلب وعيوب الروح فعيوب النفس تعلقها بالشهوات الجسمانية كطيب المآكل والمشارب والملابس والمراكب والمساكن والمناكح وشبه ذلك وعيوب القلب تعلقه بالشهوات القلبية كحب الجاه الرياسة والعز والكبر والحسد والحقد وحب المنزلة والخصوصية وشبه ذلك مما يأتي أن شاء الله في أوصاف البشرية وعيوب الروح تعلقها بالحظوظ الباطنية كطلب الكرامات والمقامات والقصور والحور وغير ذلك من الحروف فتشوف المريد إلى شيء من ذلك كله قادح في عبوديته مانع له من القيام بحقوق ربوبيته فأشتغاله بالبحث عن عيوبه النفسانية والقلبية والروحانية وسعيه في التطهير من جميع ذلك أولى من تشوفه إلى ما حجب عنه من علم الغيوب كما تقدم وبالله التوفيق ولما ذكر التخلية ذكر ثمرتها وهي التحلية بالمعرفة إذ ما منع منها إلا تشوف النفس أو القلب أو الروح إلى حظوظها الوهمية فقال الحق ليس بمحجوب عنك إنما المحجوب أنت عن النظر إليه إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده قلت الحق تعالى محال في حقه الحجاب فلا يحجبه شيء لأنه ظهر بكل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء فلا ظاهر معه ولا موجود في الحقيقة سواه فهو ليس بمحجوب عنك وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه لأعتقادك الغيرية وتعلق قلبك بالأمور الحسية فلو تعلق قلبك بطلب المولى وأعرضت بالكلية عن رؤية السوى لنظرت إلى نور الحق ساطعًا في مظاهر الأكوان وصار ما كان محجوبًا عنك بالوهم في معد الشهود والعيان ولله در القائل
لقد تجلى ما كان مخبي ... والكون كله طويت طي
مني على دارت كؤسي ... من بعد موتي تراني حي