فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 311

أو تقول لما عرجت أرواحهم من عالم الأشباح إلى عالم الأرواح أو من عالم الملك إلى عالم الملكوت أتسعت عليها دائرة أرزاق العلوم وفتحت لها مخازن الفهوم فأنفقوا من سعة غناهم جواهر العلم المكنون ومن مخازن كنوزهم يواقيت السر المصون فأتسع لهم ميدان المجال وركبوا أجياد البلاغة وفصاحة المقال فما أسرع الغنى لمن واجهته منهم العناية وما أعظم فتح من لحظته منهم الرعاية إن لله رجالًا من نظر إليهم سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا وهم أهل السر والحال وأما السائرون إلى الله فلأنهم باقون في ضيق الأكوان وفي عالم الأشباح مسجونون في سجن الوهم لم يفتح لهم شيء من مخازن الفهم مشغولون بجهاد نفوسهم ومعاناة تصفية قلوبهم مضيق عليهم في العلوم ومقتر عليهم في سائر الفهوم فإن جدوا في السير وصلوا وأنتقلوا من ضيق الأكوان ورحلوا وتبختروا في رياض العلوم ورفلوا فظفروا بما أملوا وإستغنوا بعدها أن ملوا وإن رجعوا من الطريق أو قصروا فقد خابوا وخسروا تنبيه أن أردت أن يتسع عليك علم الأذواق فأقطع عنك مادة الأوراق فما دمت متكلًا على كنز غيرك لا تحفر على كنزك أبدًا فأقطع عنك المادة وإفتقر إلى الله تفيض عليك المواهب من الله إنما الصدقات للفقراء والمساكين إن أردت بسط المواهب عليك صحح الفقر والفاقة لديك وقد قال الشيخ الدباس لتلميذه ابن ميمونة حين تأخر عنه الفتح فرصده فوجده يطالع رسالة القشيري أطرح كتابك وأحفر في أرض نفسك يخرج لك ينبوع وإلا فإذهب عني اه وبالله التوفيق ثم ذكر سبب أتساع العلوم على الواصلين دون السائرين وهو أن الواصلين لم يفقوا مع شهود الأنوار بل نفذوا إلى نور الأنوار بخلاف السائرين فإنهم واقفون مع الأنوار مفتقرون إليها مملوكون في يدها فقال أهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه والواصلون لهم أنوار المواجهة فالأولون للأنوار.

وهؤلاء الأنوار لهم لأنهم لله لا لشيء دونه قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون قلت أنوار التوجيه هي أنوار الإسلام والإيمان وأنوار المواجهة هي أنوار الأحسان أو تقول أنوار التوجيه أنوار الطاعة الظاهرة والباطنة وأنوار المواجهة هي أنوار الفكرة والنظرة أو تقول أنوار التوجه أنوار الشريعة والطريقة وأنوار المواجهة أنوار الحقيقة أو تقول أنوار التوجه أنوار المجاهدة والمكابدة وأنوار المواجهة هي أنوار المشاهدة والمكالمة وبيان ذلك أن الحق سبحانه إذا أراد أن يوصل عبده إليه توجه إليه أو لا بنور حلاوة العمل الظاهر وهو مقام الأسلام فيهتدي إلى العمل ويفني فيه ويذوق حلاوته ثم يتوجه إليه بنور حلاوة العمل الباطن وهو مقام الإيمان من الأخلاص والصدق والطمأنينة والأنس بالله والتوحش مما سواه فيهتدي إليه ويفني فيه ويذوق حلاوته ويتمكن من المراقبة وهذا النور أعظم من الأول وأكمل ثم يتوجه إليه بنور حلاوة المشاهدة وهو عمل الروح وهو أول نور المواجهة فتأخذه الدهشة والحيرة والسكرة فإذا أفاق من سكرته وصحا من جذبته وتمكن من الشهود وعرف الملك المعبود ورجع إلى البقاء كان الله وبالله فأستغني عن النور بمشاهد نور النور لأنه صار عين النور فصار مالكًا للأنوار بعد أن كانت مالكة له لأفتقاره لها قبل وصوله إلى أصلها فلما وصل صار عبدًا لله حرًا مما سواه ظاهره عبودية وباطنه حرية والحاصل أن المريد ما دام في السير فهو يهتدي بأنوار التوجه مفتقرًا إليها لسيره بها فإذا وصل إلى مقام المشاهدة حصلت له أنوار المواجهة فلم يفتقر إلى شيء لأنه لله لا لشيء دونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت