فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 311

عرف الحق لأهله وأثبت الأمر من وجود أصله والأستدلال عليه من عدم الوصول إليه وإلا فمتي غاب حتى يستدل عليه ومتي بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه شتان بمعنى بعد وأفترق ولا تكون إلا في إفتراق المعاني دون الحسيات قلت أعلم أن الحق سبحانه لما أراد أن يتجلى بأسرار ذاته وأنوار صفاته أظهر بقدرته قبضة من نوره الأزلي فأقتضت القدرة ظهور آثارها وشهود أنوارها وأقتضت الحكمة إسدال حجابها وإظهار أستارها فلما فرغت القدرة نورها في مظاهر الكون أسدلت عليها الحكمة رداء الصون فصارت الأكوان كلها نورًا في حجاب مستور ثم إن الحق سبحانه قسم الخلق على قسمين وفرقهم فرقتين قسم أختصهم بمحبته وجعلهم من أهل ولايته ففتح لهم الباب وكشف لهم الحجاب فأشهدهم أسرار ذاته ولم يحجبهم عنه بأثار قدرته وقسم أقامهم لخدمته وجعلهم من أهل حكمته أسدل عليهم حجاب الوهم وغيب عنهم نور العلم والفهم فوقفوا مع ظواهر القشور ولم يشهدوا بواطن النور مع شدة الظهور فسبحان من أخفي سره بحكمته وأظهر نوره بقدرته فأما أهل المحبة وهم أهل الولاية والعرفان من أهل الشهود والعيان فهم يستدلون بالنور على وجود الستور فلا يرون إلا النور وبالحق على وجود الخلق فلا يجدون إلا الحق وبقدرته على حكمته فوجدوا قدرته عين حكمته وحكمته عين قدرته فغابوا بشهود الحق عن رؤية الخلق إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه وأما أهل الخدمة من أهل الحكمة فهم يستدلون بظهور الستور على وجود النور وبالخلق على وجود الحق غابوا عنه في حال حضوره وحجبوا عنه بشدة ظهوره قال بعض العارفين أثبت الله تعالى للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق وأثبت للخاصة نفسه فأثبتوا به المخلوق اه فشتان أي فرق كبير بين من يستدل به على ظهور أثره وبين من يستدل بظهور أثره على وجوده لأن من يستدل به عرف الحق وهو الوجود الحقيقي لأهله أي لمن هو أهل له ويستحقه وهو الله الواجب الوجود الملك المعبود وأثبت الأمر وهو القدم للوجود الحقيقي من وجود أصله وهو الجبروت الأصلي القديم الأزلي يعني أن من عرف الله حتى صار عنده صروريًا عرف الوجود إنما هو الله وأنتقى عنه وجود ما سواه وأثبت القدم لأوله ومنتهاه أو تقول عرف الحق وهو الوجود الأصلي لأهله وهو الله تعالى.

وأثبت الأمر وهو الوجود الفرعي من وجود أصله أي الحقه بأصله فإذا ألتحق الفرع بالأصل صار الجميع جبروتيًا أصليًا ويحتمل أن يكون معناهما واحدًا ويكون التقدير عرف الوجود الحقيقي لأهله وأثبت ذلك الأمر من أصله كقولك عرفت هذا الحكم وأثبت به من أصله والله تعالى أعلم وأما من يستدل عليه فلعبده عنه في حال قربه منه ولغيبته عنه في حال حضوره معه بعده الوهم وغيبه عدم الفهم وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه إذ هو أقرب إليك من حبل الوريد ومتى بعد حتى تكون الآثار الوهمية هي التي توصل إليه وهو معكم أينما كنتم إذ أثر القدرة هو عينها فالصفة لا تفارق الموصوف إذ لا قيام لها إلا به ولا ظهور لها إلا منه وسيأتي له في المناجاة ألهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك والله تعالى أعلم ولما كان المستدلون بالله قد وسع الله عليهم دائرة العلوم وفتحت لهم مخازن الفهوم بخلاف المستدلين عليه قد قتر الله عليهم أرزاق العلم بوجود حجاب الوهم أشار إلى ذلك بقوله لينفق ذو سعة من سعته الواصلون إليه ومن قدر عليه رزقه السائرون إليه السعة هي الغني وقدر عليه ضيق عليه قلت أما الواصلون إليه فلأنهم لما نفذت أرواحهم من ضيق الأكوان إلى قضاء الشهود والعيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت