فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 311

وإذا علمت كرمه وجوده وكماله وإحسانه فلا ترفع إلى غيره ما هو مورده عليك كما قال لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك قلت قد علمت أن ما سوى الحق خيال وهمي لا حقيقة لوجوده فإذا أنزل الله بك حاجة كفاقة أو شدة أو غير ذلك من العوارض فإنزلها بالله وأجعلها تحت مشيئة الله وغب عنها في ذكر الله ولا تلتفت إلى ما سواه تعلقًا ولا تملقًا ففي الحديث من لم يسئل الله يغضب عليه وقال أبو علي الدقاق من علامة المعرفة أن لا تسأل حوائجك كلها إلا من الله قلت أو جلت مثل موسى عليه السلام أشتاق إلى رؤيته فقال رب أرني أنظر إليك وأحتاج يومًا إلى رغيف فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير اه ثم تعجب ممن رفع أحكام الحق إلى غيره معى عجزه وضعفه فقال فكيف يرفع إلى غيره ما كان هو له واضعًا قلت من قلة حياء الأنسان أن يرفع إلى غيره ما أنزله عليه الحق تعالى من أحكام قهره مع علمه تعالى بإحسانه وبره وعدم أنفكاك لطفه عن قدره قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه أيست من نفع نفسي لنفسي فكيف لا أيأس من نفع غيري لها ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي وقال بعض العارفين من المكاشفين رضي الله عنهم قيل لي في نوم كاليقظة أو يقظة كالنوم لا تبدين فاقة فإضاعفها عليك مكافأة لسوء أدبك وخروجك إلى حد عبوديتك إنما أبتليتك بالفاقة لتفزع إلى منها وتتضرع بها لدي وتتوكل فيها على سبكتك بالفاقة لتصير بها ذهبًا خالصًا فلا تزيغن بعد السبك وسمتك بالفاقة وحكمت لنفسي بالغني فإن وصلتها بي وصلتك بالغنى وأن وصلتها بغيري قطعت عنك مواد معونتي وحسمت أسبابك من أسبابي طردًا لك عن بابي فمن وكلته إلى ملك ومن وكلته إليه هلك اه ثم بين وجه التعجب فقال من لا يستطيع أن يرفع حاجة عن نفسه فكيف يستطيع أن يكون لها عن غيره رافعًا قلت من عجز عن أصلاح نفسه فكيف يقدر أن يصلح غيره ضعف الطالب والمطلوب قال بعضهم من أعتمد على غير الله فهو في غرور لأن الغرور ما لا يدوم ولا يدوم شيء سواه وهو الدائم القديم الذي لم يزل ولا يزال وعطاؤه وفضله دائمان فلا تعتمد إلا على من يدوم لك منه العطاء والفضل اه ثم أن الأعتماد على الله ورفع الحوائج إليه والرجوع في كل النوازل إليه سببه حسن الظن به كما أشار إليه بقوله أن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه حسن ظنك به لأجل معاملته معك فهل عودك إلا حسنًا وهل أسدي إليك إلا مننًا قلت الناس في حسن الظن بالله على قسمين خواص وعوام أما الخواص فحسن ظنهم بالله تعالى ناشيء عن شهود جماله ورؤية كماله فحسن ظنهم بالله لا ينقطع سواء واجههم بجماله أو بجلاله لأن أتصافه تعالى بالرحمة والرأفة والكرم والجود لا ينقطع فإذا تجلى لهم بجلاله أو قهريته علموا ما في طي ذلك من تمام نعمته وشمول رحمته فغلب عليهم شهود الرحمة والجمال فدام حسن ظنهم على كل حال وأما العوام فحسن ظنهم بالله ناشيء عن شهود أحسانه وحسن معاملته وأمتنانه فإذا نزلت بهم قهرية أو شدة نظروا إلى سالف أحسانه وحسن ما أسدي إليهم من حسن لطفه وأمتنانه فقاسوا ما يأتي على ما مضى فتلقوا ما يرد عليهم بالقبول والرضى وقد يضعف هذا الظن بضعف النظر والتفكر ويقوي بقوتهما بخلاف الأول فإنه ناشيء عن شهود الوصف والوصف لا يتخلف والثاني ناشيء عن شهود الفعل وهو يتخلف فإن لم تقدر أيها المريد أن تحسن ظنك بالله لشهود وصفه بالرأفة والرحمة التي لا تتخلف فحسن ظنك به لوجود معاملته معك بلطفه ومننه فهل عودك الحق تعالى الأبرا حسنًا ولطفًا جميلًا وهل أسدي إليك أي أوصل إليك إلا مننا كبيرة ونعمًا غزيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبوا الله لما يغذيكم به من نعمه وأحبوني بحب الله وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إنا لا نحب إلا الله فقال رجل أبي ذلك جدك يا سيدي بقوله جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال الشيخ أبو الحسن إنا لما لم نر محسنًا غير الله لم نحب سواه اه وقال أيضًا رضي الله عنه قرأت ليلة قل أعوذ برب الناس إلى أن بلغت فيها من شر الوسواس فقيل لي شر الوسواس وسواس يدخل بينك وبين حبيبك يذكرك أفعالك السيئة وينسيك أفعالك الحسنة ويكثر عندك ذات الشمال ويقلل عندك ذات اليمين ليعدل بك عن حسن الظن بالله وكرمه إلى سوء الظن بالله ورسوله فإحذروا هذا الباب فقد أخذ منه خلق كثير من العباد والزهاد وأهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت