فهرس الكتاب
ولما كان الذكر هو سبب حياة القلب وتركه سبب موته وفي الحديث مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ذكر علامة حياته وموته في أول الباب السادس فقال وقال رضي الله عنه من علامات موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات وترك الندم على ما فعلت من وجود الزلات قلت موت القلب سببه ثلاثة أشياء حب الدنيا والغفلة عن ذكر الله وأرسال الجوارح في معاصي الله وسبب حياته ثلاثة أشياء الزهد في الدنيا والأشتغال بذكر الله وصحبة أولياء الله وعلامة موته ثلاثة أشياء عدم الحزن على ما فات من الطابعات وترك الندم على ما فعلت من الزلات وصحبتك للغافلين الأموات وذلك لأن صدور الطاعة من العبد عنوان السعادة وصدور المعصية علامة الشقاوة فإن كان القلب حيًا بالمعرفة والإيمان آلمه ما يوجب شقاوته وأفرحه ما يوجب سعادته أو تقول صدور الطاعة من العبد علامة على رضي مولاه وصدور المعصية علامة على غضبه فالقلب الحي يحس بما يرضيه عند مولاه فيفرح وما يسخطه عليه فيحزن والقلب الميت لا يحس بشيء قد أستوى عنده وجود الطاعة والمعصية لا يفرح بطاعة وموافقة ولا يحزن على زلة ولا معصية كما هو شأن الميت في الحس وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من سرته حسناته وساءته فهو مؤمن وقال عبد الله بن مسعود المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه والفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فأطاره اه لكن لا ينبغي للعبد أن يغلب النظر إلى جانب الذنب فيقل رجاؤه ويسئ الظن بسيده كما أشار إليه بقوله لا يعظم الذنب عندك عظمة تصدك عن حسن الظن بالله قلت الناس في الخوف والرجا على ثلاثة أقسام أهل البداية ينبغي لهم تغليب جانب الخوف وأهل الوسط ينبغي لهم أن يعتدل خوفهم ورجاؤهم وأهل النهاية يغلبون جانب الرجاء أما أهل البداية فلأنهم إذا غلبوا جانب الخوف جدوا في العمل وأنكفوا عن الزلل فبذلك تشرق نهايتهم والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وأما أهل الوسط فلأنهم قد أنتقلت عبادتهم إلى تصفية بواطنهم فعبادتهم قلبية فلو غلبوا جانب الخوف لرجعوا إلى عبادة الجوارح والمطلوب منهم عبادة البواطن على رجاء الوصول وخوف الفظيعة فيعتدل خوفهم ورجاؤهم وأما الواصلون فلا يرون لأنفسهم فعلًا ولا تركا فهم ينظرون إلى تصريف الحق وما يجري به سابق القدر فيتلقونه بالقبول والرضاء فإن كان طاعة شكروا وشهدوا منة الله وأن كان معصية أعتذروا وتأدبوا ولم يقفوا مع أنفسهم إذ لا وجود لها عندهم وإنما ينظرون إلى ما يبرز من عنصر القدرة فنظرهم إلى حمله وعفوه وأحسانه وبره أكثر من نظرهم إلى بطشه وقهره ويرحم الله الشافعي حيث قال
فلما قسي قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلمًا
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظمًا
فما زلت ذا جود وفضل ومنة ... تجود وتعفوا منة وتكرمًا
فياليت شعري هل أصير لجنة ... أهنا وإما للسعير فأندما