فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 311

أبت المطامع أن تهشمني ... إني لمعولها صفا صلد

العبد حر ما عصي طمعًا ... والحر مهما طاعه عبد

قال في التنوير وكن أيها العبد إبراهيميًا فقد قال أبوك إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه لا أحب الآفلين وكل ما سوى الله آفل إما وجودًا وإما إمكانًا وقد قال سبحانه ملة أبيكم إبراهيم فواجب على المؤمن أن يتبع ملة إبراهيم ومن ملة إبراهيم رفع الهمة عن الخلق فإنه يوم زج به في المنجنيق تعرض له جبريل عليه السلام فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا وأما إلى الله فبلى قال فأسئله قال حسبي من سؤالي عمله بحالي فأنظر كيف رفع إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه همته عن الخلق ووجهها إلى الملك الحق فلم يستغث بجبريل ولا أحتال على السؤال من الله بل رأى الحق سبحانه أقرب إليه من جبريل ومن سؤله فلذلك سلمه من نمروذ ونكاله وأنعم عليه بنواله وأفضاله وخصه بوجود إقباله ومن ملة إبراهيم معاداة كل ما شغل عن الله وصرف الهمة بالود إلى الله لقوله تعالى"فأنهم عدو لي إلا رب العالمين"والغني إن أردت الدلالة عليه فهو في اليأس وقد قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه أيست من نفع نفسي لنفسي فكيف لا أيأس من نفع غيري لها ورجوت الله لغيري فكيف لا أرجوه لنفسي وهذا هو الكيمياء والأكسير الذي من حصل له حصل له غني لا فاقة فيه وعز لاذل معه وأنفاق لأنفاد له وهو كيميا أهل الفهم عن الله تعالى قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه صحبني أنسان وكان ثقيلًا على فباسطته فأنبسط وقلت يا ولدي ما حاجتك ولم صحبتني قال يا سيدي قيل لي أنك تعلم الكيمياء فصحبتك لأتعلم منك فقلت له صدقت وصدق من حدثك ولكن أخالك أي أظنك لا تقبل فقال بل أقبل فقلت نظرت إلى الخلق فوجدتهم على قسمين أعداء وأحباء فنظرت إلى الأعداء فعلمت أنهم لا يستطيعون أن يشوكوني بشوكة لم يردني الله بها فقطعت نظري عنهم ثم تعلقت بالأحباء فرأيتهم لا يستطيعون أن ينفعوني بشيء لم يردني الله به فقطعت يأسي منهم وتعلقت بالله فقيل لي إنك لا تصل إلى حقيقة هذا الأمر حتى تقطع يأسك منا كما قطعته من غيرنا أن نعطيك غير ما قسمنا لك في الأزل وقال مرة أخرى لما سئل عن الكيمياء قال أخرج الخلق من قلبك وأقطع يأسك من ربك أن يعطيك غير ما قسم لك وليس يدل على فهم العبد كثرة علمه ولا مداومته على ورده إنما يدل على نوره وفهمه غباه بربه وأنحياشه إليه بقلبه وتحرزه من رق الطمع وتحليه بحلية الورع وبذلك تحسن الأعمال وتزكوا الأحوال قال تعالى"أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملًا"فحسن الأعمال إنما هو الفهم عن الله والفهم هو ما ذكرناه من الأغتناء بالله والأكتفاء به والأعتماد عليه ورفع الحوائج إليه والدوام بين يديه وكل ذلك من ثمرة الفهم عن الله وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه وتطهر من الطمع في الخلق فلو تطهر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهره إلا اليأس منهم ورفع الهمة عنهم وقدم علي رضي الله عنه البصرة فدخل جامعًا فوجد القصاص يقصون فأقامهم حتى وجد الحسن البصري فقال يا فتى أني سائلك عن أمر فإن أجبت عنه أبقينك وإلا أقمنك كما أقمت أصحابك وكان قد رأى عليه سمتًا وهديًا فقال الحسن سل عما شئت فقال ما ملاك الدين قال قال الورع قال فما فساد الدين قال الطمع قال أجلس فمثلك يتكلم على الناس قال وسمعت شيخنًا أبا العباس المرسي رضي الله عنه يقول كنت في أبتداء أمري بالأسكندرية فجئت إلى بعض من يعرفني منه حاجة بنصف درهم فقلبت في نفسي لعله لا يأخذه مني فهتف بي هاتف السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين وسمعته يقول صاحب الطمع لا يشبع أبدًا ألا ترى أن حروفه كلها مجوفة الطاء والميم والعين فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق ولا تذل لهم شأن الرزق فقد سبقت قسمته وجودك وتقدم ثبوته ظهورك وأسمع ما قال بعض المشايخ أيها الرجل ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه فكله ويحك بعز ولا تأكله بذل اه وقال أبو الحسن الوراق رحمه الله من أشعر نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع ومن طمع في شيء ذل له وبذله هلك وقال أبو بكر الوراق لو قيل للطمع من أبوك لقال الشك في المقدور فلو قيل له ما حرفتك لقال أكتساب الذل فلو قيل له ما غايتك لقال الحرمان اه وفي معنى هذا أنشدوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت