فهرس الكتاب
وأفرح بها من حيث أنها هدية من الله إليك تدل على إنك من مظاهر كرمه وفضله وإحسانه فالفرح إنما هو بفضل الله وبرحمته قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ففضل الله هو هدايته وتوفيقه ورحمته هو إجتباؤه وتقريبه وقيل فضل الله الأسلام ورحمته القرآن وقيل فضل الله هداية الدين ورحمته جنة النعيم وقيل فضل الله توحيد الدليل والبرهان ورحمته توحيد الشهود والعيان وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم ولما كان الفرح بالطاعة قد يتوهم أنه فرع رؤيتها والنظر إليها رفع ذلك بقوله قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها وأما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها قلت قطع هنا بمعنى عيب ولو عبر به لكان أظهر وأسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة وفي عبارته شيء من النقص فلو قال غيب السائرين له عن رؤية أعمالهم وأحوالهم والواصلين إليه عن رؤية وجودهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق مع الله وأما الواصلون فلأنهم لم يشهدوا مع الله سواه يعني أن الحق تعالى غيب السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم الظاهرة وشهود أحوالهم الباطنية أما السائرون فلأنهم يتهمون أنفسهم على الدوام فمهما صدر منهم إحسان ولاح لهم يقظة أو وجدان رأوها في غاية الخلل والنقصان فأستحيوا من الله أن يعتمدوا عليها أو يعتدوا بها فغابوا عن أعمالهم وأحوالهم وأعتمدوا على فضل ربهم فالصدق هو لب الأخلاص وسره أي لم يتحققوا بسر الأخلاص فيها فلم يروها ولم يركنوا إليها سئل بعض العارفين ما علامة قبول العمل قال نسيانك إياه وأنقطاع نظرك عنه بالكلية بدلالة قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وقال زين العابدين رضي الله عنه كل شيء من أفعالك إذا أتصلت به رؤيتك فذلك دليل على أنه لم يقبل لأن المقبول مرفوع مغيب عنك وما أنقطعت عنه رؤيتك فذاك دليل على القبول اه وأما الواصلون فلأنهم فانون عن أنفسهم غائبون في شهود معبودهم فحركاتهم وسكناتهم كلها بالله ومن الله وإلى الله إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه فإن ظهرت عليهم طاعة أو صدر منهم إحسان شهدوا في ذلك الواحد المنان حكي عن الواسطي رحمه الله أنه لما دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان بماذا كان يأمركم شيخكم فقالوا كان يأمرنا بإلتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود مجريها ومنشيها اه قال القشيري أراد صيانتهم عن الأعجاب ودلالتهم على الآداب اه فضمير قطع يعود إلى الحق سبحانه وتعالى والسائرين والواصلين مفعول به وأعلم أن السائرين في كلام الشيخ هم القسم الثاني الذين فرحهم بالطاعة من حيث أنها عنوان القبول ولا يلزم من الفرح بها رؤيتها إذ قد يفرح بها من حيث أنها منة من الله ويقطع رؤيته عنها من حيث أعتماده على الله والواصلون هنا هم القسم الثالث الذين هم فرحهم بالله دون شيء سواه والله تعالى أعلم هذا آخر الباب السادس وبه أنتهي ربع الكتاب وحاصلها علاج القلوب وعلامة موتها ومرضها وصحتها وأستمداد أنوارها وأتصال وارداتها حتي تغيب عن شهود أعمالها وأحوالها وتفني عن دائرة حسها بأتساع فضاء شهودها وفي ذلك شرفها وعزها وفي ضد ذلك وهو رؤية المخلوق والركون إليه ذلها وهوانها وبذلك أفتتح الباب السابع فقال وقال رضي الله عنه ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع قلت ألبسوق هو الطول قال تعالى"والنخل باسقات"أي طويلات والبذر الذريعة والطمع تعلق القلب بما في أيدي الخلق وتشوف القلب إلى غير الرب وهو أصل شجرة الذل فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا على زريعة الطمع ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق وإنما كان الطمع هو أصل الذل لأن صاحب الطمع ترك ربًا عزيزًا وتعلق بعبد حقير فأحتقر مثله ترك ربًا كريمًا وتعلق بعبد فقير فأفتقر مثله ترك رفع همته إلى الغنى الكريم وأسقط همته إلى الدني اللئيم إن الله يرزق العبد على قدر همته وأيضًا كان عبد الله حرًا مما سواه صار عبدًا للمخلوق وعبدًا لنفسه وهواه لأنك مهمًا أحببت شيئًا وطمعت فيه إلا كنت عبدًا له ومهما أيست من شيء ورفعت همتك عنه إلا كنت حرًا منه وفي ذلك يقول الشاعر