فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 311

وأفرح بها من حيث أنها هدية من الله إليك تدل على إنك من مظاهر كرمه وفضله وإحسانه فالفرح إنما هو بفضل الله وبرحمته قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ففضل الله هو هدايته وتوفيقه ورحمته هو إجتباؤه وتقريبه وقيل فضل الله الأسلام ورحمته القرآن وقيل فضل الله هداية الدين ورحمته جنة النعيم وقيل فضل الله توحيد الدليل والبرهان ورحمته توحيد الشهود والعيان وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم ولما كان الفرح بالطاعة قد يتوهم أنه فرع رؤيتها والنظر إليها رفع ذلك بقوله قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها وأما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها قلت قطع هنا بمعنى عيب ولو عبر به لكان أظهر وأسهل لما في التعبير بالقطع من الشؤمة وفي عبارته شيء من النقص فلو قال غيب السائرين له عن رؤية أعمالهم وأحوالهم والواصلين إليه عن رؤية وجودهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا فيها الصدق مع الله وأما الواصلون فلأنهم لم يشهدوا مع الله سواه يعني أن الحق تعالى غيب السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم الظاهرة وشهود أحوالهم الباطنية أما السائرون فلأنهم يتهمون أنفسهم على الدوام فمهما صدر منهم إحسان ولاح لهم يقظة أو وجدان رأوها في غاية الخلل والنقصان فأستحيوا من الله أن يعتمدوا عليها أو يعتدوا بها فغابوا عن أعمالهم وأحوالهم وأعتمدوا على فضل ربهم فالصدق هو لب الأخلاص وسره أي لم يتحققوا بسر الأخلاص فيها فلم يروها ولم يركنوا إليها سئل بعض العارفين ما علامة قبول العمل قال نسيانك إياه وأنقطاع نظرك عنه بالكلية بدلالة قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وقال زين العابدين رضي الله عنه كل شيء من أفعالك إذا أتصلت به رؤيتك فذلك دليل على أنه لم يقبل لأن المقبول مرفوع مغيب عنك وما أنقطعت عنه رؤيتك فذاك دليل على القبول اه وأما الواصلون فلأنهم فانون عن أنفسهم غائبون في شهود معبودهم فحركاتهم وسكناتهم كلها بالله ومن الله وإلى الله إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه فإن ظهرت عليهم طاعة أو صدر منهم إحسان شهدوا في ذلك الواحد المنان حكي عن الواسطي رحمه الله أنه لما دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان بماذا كان يأمركم شيخكم فقالوا كان يأمرنا بإلتزام الطاعة ورؤية التقصير فيها فقال أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود مجريها ومنشيها اه قال القشيري أراد صيانتهم عن الأعجاب ودلالتهم على الآداب اه فضمير قطع يعود إلى الحق سبحانه وتعالى والسائرين والواصلين مفعول به وأعلم أن السائرين في كلام الشيخ هم القسم الثاني الذين فرحهم بالطاعة من حيث أنها عنوان القبول ولا يلزم من الفرح بها رؤيتها إذ قد يفرح بها من حيث أنها منة من الله ويقطع رؤيته عنها من حيث أعتماده على الله والواصلون هنا هم القسم الثالث الذين هم فرحهم بالله دون شيء سواه والله تعالى أعلم هذا آخر الباب السادس وبه أنتهي ربع الكتاب وحاصلها علاج القلوب وعلامة موتها ومرضها وصحتها وأستمداد أنوارها وأتصال وارداتها حتي تغيب عن شهود أعمالها وأحوالها وتفني عن دائرة حسها بأتساع فضاء شهودها وفي ذلك شرفها وعزها وفي ضد ذلك وهو رؤية المخلوق والركون إليه ذلها وهوانها وبذلك أفتتح الباب السابع فقال وقال رضي الله عنه ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع قلت ألبسوق هو الطول قال تعالى"والنخل باسقات"أي طويلات والبذر الذريعة والطمع تعلق القلب بما في أيدي الخلق وتشوف القلب إلى غير الرب وهو أصل شجرة الذل فما بسقت أغصان شجرة الذل إلا على زريعة الطمع ولذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق وإنما كان الطمع هو أصل الذل لأن صاحب الطمع ترك ربًا عزيزًا وتعلق بعبد حقير فأحتقر مثله ترك ربًا كريمًا وتعلق بعبد فقير فأفتقر مثله ترك رفع همته إلى الغنى الكريم وأسقط همته إلى الدني اللئيم إن الله يرزق العبد على قدر همته وأيضًا كان عبد الله حرًا مما سواه صار عبدًا للمخلوق وعبدًا لنفسه وهواه لأنك مهمًا أحببت شيئًا وطمعت فيه إلا كنت عبدًا له ومهما أيست من شيء ورفعت همتك عنه إلا كنت حرًا منه وفي ذلك يقول الشاعر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت