فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 311

فانظر فهمك الله سبيل أوليائه ومن عليك بمتابعة أحبائه هذا الورع الذي ذكره هذا الشيخ رضي الله عنه هل كان فهمك يصل إلى هذا النوع من الورع ألا ترى قوله قد أنتهى بهم الورع إلى الأخذ من الله وعن الله والقول بالله والعمل لله وبالله على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة فهذا هو ورع الأبدال والصديقين لا ورع المتنطعين الذي ينشأ عن سوء الظن وغلبة الواهم اه قلت هذا الورع الذي ذكره الشيخ هو ورع الخواص أو خواص الخواص وهو الذي يقابل الطمع كما تقدم في قول الحسن البصري صلاح الدين الورع وفساد الدين الطمع لا ورع العوام الذي هو ترك المتشابه والحرام فإنه لا يقابل الطمع كل المقابلة وحاصله صحة اليقين وكمال التعلق برب العالمين ووجود السكون إليه وعكوف الهم عليه وطمأنينة القلب به حتى لا يكون له ركون إلى شيء من السوى فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد وبه يصلح كل عمل مقرب وحال مسعد قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه الورع على وجهين ورع في الظاهر وهو إلا تتحرك إلا لله وورع في الباطن وهو أن لا يدخل قلبك إلا الله ذكران بعضهم كان حريصًا على أن يرى أحدًا ممن صفته فجعل يجتهد في طلبه ويحتال على التوصل إليه بأن يأخذ الشيء بعد الشيء من ماله ويقصد به الفقراء والمساكين ويقول لمن يعطيه خذلا لك فكانوا يأخذون ولا يسمع من أحد منهم جوابًا مطابقًا لما أراده إلى أن ظفر ذات يوم ببغيته وحصل على مقصوده ومنيته وذلك أنه قال لأحدهم خذلا لك فقال له آخذه لا منك فإن كان للعبد أستشراف إلى الخلق أو سبقية نظر إليهم قبل مجيء الرزق أو بعده فمقتضي هذا الورع والواجب في حق الأدب إلا ينيل نفسه شيئًا مما يأتيه على هذا الحال عقوبة لنفسه في نظره إلى أبناء جنسه.

كقصة أيوب الحمال مع أحمد بن حنبل رضي الله عنهما وهي معروفة وكما روي عن الشيخ أبي مدين رضي الله عنه أنه أتاه حمال بقمح فنازعته نفسه وقالت يا ترى من أين هذا فقال أنا أعرف من أين هو يا عدوة الله وأمر بعض أصحابه أن يدفعه لبعض الفقراء عقوبة لها لكونها رأت الخلق قبل رؤية الحق تعالى وقد قيل أن أحل الحلال ما لم يخطر على بال ولا سألت فيه أحدًا من النساء والرجال قال الشيخ عبد العزيز المهدوي رضي الله عنه الورع إلا تتحرك ولا تسكن إلا وترى الله في الحركات والسكون فإذا رأى الله ذهبت الحركة والسكون وبقي مع الله فالحركة ظرف لما فيها كما قال ما رأيت شيئًا إلا رأيت الله فيه فإذا رأيت الله ذهبت وقال أيضًا أجمع العلماء على أن الحلال المطلق ما أخذ من يد الله بسقوط الوسائط وهذا مقام التوكل ولهذا قال بعضهم الحلال هو الذي لا ينسي الله فيه اه علي نقل ابن عباد رضي الله عنه وإذا أراد الله تعالى أن يعز عبده ويرفعه إلى هذا المقام قطع عنه زمام الوهم والجزع وحرره من رق الطمع فقاده إليه بملاطفة الإحسان أو بسلاسل الامتحان كما أشار إلى ذلك بقوله من لم يقبل على الله بملاطفات الأحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان قلت قد قسم الله تعالى عباده ثلاثة أقسام أهل الشمال وأهل اليمين والسابقون أما أهل الشمال فلا كلام عليهم إذ لا إقبال لهم على الله أصلًا وأما أهل اليمين فلهم أقبال بوجه ما لكن لا خصوصية لهم لأنهم قنعوا بظاهر الشريعة ولم يلتفتوا إلى سلوك طريقة ولا حقيقة وقفوا مع الدليل والبرهان ولم ينهضوا إلى مقام الشهود والعيان ولا كلام معهم أيضًا وأما السابقون فقد أقبلوا على الله متوجهين إليه طالبين الوصول إلى معرفته وهم في ذلك على قسمين قسم أقبل على الله بملاطفة إحسانه وقيامًا بشكر إنعامه وأمتنانه وهم أهل مقام الشكر وقسم أقبل على الله بسلاسل الأمتحان وضروب البلايا والمحن وهم أهل مقام الصبر أهل المقام الأول فأقبلوا على الله طوعًا وأهل المقام الثاني أقبلوا على الله كرهًا قال تعالى"ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا"قال أبو مدين رضي الله عنه سنة الله استدعاء العباد لطاعته بسعة الأرزاق ودوام المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته فإن لم يفعلوا أبتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون لأن مراده عز وجل رجوع العباد إليه طوعًا وكراهًا اه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت