فهرس الكتاب
فقوم بسط الله عليهم النعم وصرف عنهم البلايا والنقم ورزقهم الصحة وأمدهم بالأموال والعافية فأدوا حقها وقاموا بشكرها وتشوقوا إلى معرفة المنعم بها فكانت مطية لهم على السير إليه ومعونة لهم على القدوم عليه أخرجوها من قلوبهم وجعلوها في أيديهم وقليل ما هم قال تعالى وقليل من عبادي الشكور وفي مثل هؤلاء ورد الحديث نعمت الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر أو كما قال عليه السلام قال بعض أصحابنا جعل عليه السلام الدنيا مطية للمؤمن حاملة له ولم يجعل المؤمن مطية لها حتى يتكلف حملها فهذا يدل على أنها في يده يستعين بها على السير إلى ربه لا أنها في قلبه حتى يرتكب المشقة في طلبها والله تعالى أعلم وقوم أمدهم الله بالنعم وبسط لهم في المال والعافية وصرف عنهم النقم فشغلهم ذلك عن النهوض إليه ومنعهم من المسير إلى حضرته فسلب ذلك عنهم وضربهم بالبلايا والمحن فأقبلوا على الله بسلاسل الأمتحان عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل وقد مدح الله الغني الشاكر والفقير الصابر بمدح واحد فقال تعالى في حق سليمان عليه السلام ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب وقال في حق أيوب عليه السلام إنا وجدناه صابرًا نعم العبد أنه أواب وقال بعضهم لأن أعطي فأشكر أحب إلى من أن أبتلي فأصبر وكان الشيخ أبو العباس المرسي يرجح الغني الشاكر على الفقير الصابر وهو مذهب ابن عطاء ومذهب أبي عبد الله الترمذي الحكيم.
ويقول الشكر صفة أهل الجنة والفقر ليس كذلك قاله في لطائف المنن والتحقيق أن الفقير الصابر هو الغني الشاكر وبالعكس لأن الغني أنتا هو بالله فإذا أستغنى القلب بالله فصاحبه هو الغني الشاكر ولا عبرة بما في اليد فقد تكون اليد معمورة والقلب فقير وقد يكون القلب غنيًا بالله واليد فقيرة وقد تكون اليد معمورة والقلب مع الله غنيًا به عما سواه قال بعض المشايخ كان رجل بالمغرب من الزاهدين في الدنيا ومن أهل الجد والأجتهاد وكان عيشه مما يصيده من البحر وكان الذي يصيده يتصدق ببعضه ويتقوت ببعضه فأراد بعض أصحاب هذا الشيخ أن يسافر إلى بلد من بلاد المغرب فقال له هذا الزاهد إذا دخلت على بلدة كذا فأذهب إلى أخي فلان فأقرئه مني السلام وأطلب منه الدعاء فإنه ولي من أولياء الله تعالى قال فسافرت حتي قدمت تلك البلدة فسألت عن ذلك الرجل فدللت على دار لا تصلح إلا للملوك فتعجبت من ذلك وطلبته قيل لي هو عند السلطان فأزداد تعجبي فبعد ساعة وإذا هو قد أتى في أفخر مركب وملبس وكأنما هو ملك في مركبه قال فأزداد تعجبي أكثر من الأولين فهممت بالرجوع وعدم الأجتماع به ثم قلت لا يمكنني مخالفة الشيخ فأستأذنت فأذن لي فلما دخلت رأيت ما هالني من العبيد والخدم والشارة الحسنة فقلت له أخوك فلان يسلم عليك قال لي جئت من عنده قلت نعم قال إذا رجعت إليه فقل له إلى كم اشتغالك بالدنيا وإلى كم إقبالك عليها وإلى متى لا تنقطع رغبتك فيها فقلت والله هذا أعجب من الأولى فلما رجعت إلى الشيخ قال أجتمعت بأخي فلان قلت نعم قال فما الذي قال لك قلت لا شيء قال لا بد أن تقول لي فأعدت عليه ما قال فبكي طويلًا وقال صدق أخي فلان هو غسل الله قلبه من الدنيا وجعلها في يده وعلى ظاهره وأنا أخذها من يدي ولي إليها بقايا التطلع اه.