فهرس الكتاب
من لطائف المنن للمؤلف رحمه الله ورضي عنه فأحوال الأولياء لا تنضبط بفقر ولا غني لأن الولاية أمر قلبي لا يعلمها إلا من خصهم بها وبالله التوفيق ومن أقبل على الله بملاطفة إحسانه وجب عليه شكر ما أسدي إليه من لطائف كرمه وأمتنانه وإلا زالت عنه بسبب كفره وعصيانه وإلى ذلك أشار بقوله من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها قلت أتفقت مقالات الحكماء على هذا المعني وأن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود وقالوا أيضًا من أعطي ولم يشكر سلب منها ولم يشعر فمن شكر النعمة فقد قيدها بعقالها ومن كفرها فقد تعرض لزوالها قال تعالى"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم أي أن الله لا يغير ما بقوم من النعم حتي يغيروا ما بأنفسهم من الشكر وتغييرهم الشكر هو أشتغالهم بالمعاصي والكفر ولذلك قال الجنيد رضي الله عنه الشكر أن لا يعصي الله بنعمه وقيل الشكر فرح القلب بالمنعم لأجل نعمته حتي يتعدي ذلك إلى الجوارح فتنبسط بالأوامر وتنكف عن الزواجر وقال ف لطائف المنن الشكر على ثلاثة أقسام شكر اللسان وشكر الأركان وشكر الجنان فشكر اللسان التحدث بنعم الله قال تعالى"وأما بنعمة ربك فحدث"وشكر الأركان العمل بالطاعة لله تعالى قال تعالى"أعملوا آل داوود شكرًا"وشكر الجنان بالأعتراف بأن كل نعمة بك أو يأحد من العباد هي من الله تعالى قال الله تعالى"وما بكم من نعمة فمن الله"ومن القسم الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم التحدث بالنعم شكر ومن الثاني أنه صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه فقيل له أتتكلف كل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدًا شكورًا اه وسئل أبو حازم رضي الله عنه ما شكر العينين قال إذا رأيت بهما خيرًا أعلنته وإذا رأيت بهما شرًا سترته قال فما شكر الأذنين قال إذا سمعت بهما خيرًا وعيته وإذا سمعت بهما شرًا دفنته قال فما شكر اليدين قال لا تأخذ بهما ما ليس لك ولا تمنع حقًا هو الله فيهما قال فما شكر البطن قال أن يكون أسفله صبرًا وأعلاه علمًا قال شكر الفرج قل كما قال الله تعالى"والذين هم لفروجهم حافظون"إلى قوله غير ملومين قال فما شكر الرجلين قال أن رأيت شيئًا غبطته أستعملتهما وأن رأيت شيئًا مقته كففتهما اه وأعلم أن الناس في الشكر على ثلاث درجات عوام وخواص وخواص الخواص فشكر العوام على النعم فقط وشكر الخواص على النعم والنقم وشكر خواص الخواص الغيبة في المنعم عن شهود النعم والنقم، والنعم التي يقع الشكر عليها ثلاثة أقسام دنيوية كالصحة والعافية والمال الحلال ودينية كالعلم والعمل والتقوى والمعرفة وأخروية كالثواب على العمل القليل بالعطاء الجزيل وأجل النعم الدينية التي يتأكد الشكر عليها نعمة الأسلام والإيمان والمعرفة وشكرها هو أعتقاد أنها منة من الله تعالي بلا واسطة ولا حول ولا قوة قال الله تعالى"ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان"ثم قال"فضلًا من الله ونعمة"قال أبو طالب المكي رضي الله عنه بعد كلام فلو قلب قلوبنا في الشك والضلال كما يقلب نياتنا في الأعمال أي شيء كنا نصنع وعلى أي شيء نعول وبأي شيء كنا نطمئن ونرجو فهذا من كبائر النعم ومعرفته هو شكر نعمة الإيمان والجهل بهذا غفلة عن نعمة الإيمان توجب العقوبة وأدعاء الإيمان أنه عن كسب معقول أو أستطاعة بقوة وحول هو كفر نعمة الإيمان وأخاف على من توهم ذلك أن يسلب الإيمان لأنه بدل شكر نعمة الإيمان كفرا اه فإن غفل العبد عن شكر هذه النعم ثم دامت صورتها عنده فلا يغتر فقد يكون ذلك أستدراجًا كما أشار إلى ذلك بقوله خف من وجود أحسانه إليك ودوام إساءتك معه أن يكون ذلك أستدراجًا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأستدراج هو كمون المحنة في عين المنة وهو مأخوذ من درج الصبي أي أخذ في المشي شيئًا بعد شيء ومنه الدرج الذي يرتقي عليه إلى العلو كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئًا بعد شيء وهو لا يشعر قال الله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أي نأخذهم بالنعم حتى نجرهم إلى النقم وهم لا يشعرون قاله الشيخ زروق رضي الله عنه فخف أيها المريد من دوام إحسان الحق إليك بالصحة والفراغ وسعة الأرزاق ودوام الأمداد الحسية أو المعنوية مع دوام أساءتك معه بالغفلة والتقصير"