فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 311

ثم إن الإقامة على دوام الأوراد وهي خدمة الجوارح من شأن أهل الخدمة وهم العباد والزهاد والأنتقال منها إلى عمد القلوب من شأن أهل المحبة والمعرفة وهم العارفون وكلهم عباد الله ومن أهل عنايته فلا يستحقرهم إلا جاهل أو مطرود كما بين ذلك بقوله قوم أقامهم الحق لخدمته وقوم أختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا قلت العباد المخصوصون بالعناية على قسمين قسم وجههم الحق لخدمته وإقامهم فيها وهم أنواع فمنهم من أنقطع في الفيافي والقفار لقيام الليل وصيام النهار وهم العباد والزهاد ومنهم من وجهه الحق لأقامة الدين وحفظ شرائع المسلمين وهم العلماء والصلحاء ومنهم من أقامه الحق لنصرة الدين وإعلاء كلماته وهم المجاهدون في سبيل رب العالمين ومنهم من أقامه الحق لتمهيد البلاد وتسكين العباد وهم الأمراء والسلاطين وقسم أقامهم الحق لمحبته وأختصهم بمعرفته وهم العارفون الكاملون سلكوا سواء الطريق ووصلوا إلى عين التحقيق وبينهما فرق كبير لأن أهل الخدمة طالبون الأجور وأهل المحبة رفعت عنهم الستور أهل الخدمة يأخذون أجورهم وراء الباب وأهل المحبة في مناجاة الأحباب أهل الخدمة مسدول بينهم وبينه الحجاب وأهل المحبة مرفوع بينهم وبينه الحجاب أهل الخدمة من أهل الدليل والبرهان وأهل المحبة من أهل الشهود والعيان أهل الخدمة لا تنفك عنهم الحظوظ وأهل المحبة تصب عليهم الحظوظ أهل الخدمة محبتهم مقسومة وأهل المحبة محبتهم مجموعة فلذلك دام أهل الخدمة في خدمتهم ونفذ المحبون إلى شهود محبوبهم فلو تركوا الحظوظ وحصروا محبتهم في محبوب واحد لنفذوا إلى محبوبهم وشهدوه ببصر إيقانهم وأستراحوا من تعب خدمتهم ولكن حكمة الحكيم أقامتهم في خدمتهم فوجب تعظيمهم في الجملة ولا يلزم منه عدم تفضيل أهل المعرفة والمحبة عليهم أنظر كيف قال تعالى بعد ذلك، أنظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا، فدل على تفضيل بعضهم على بعض لكن عبيد الملك كلهم معظمون في الجملة ولا يحب الملك أن تحقر له عبدًا من عباده وأن كانوا متفاوتين عنده والله تعالى أعلم وقال أبو يزيد رضي الله عنه أطلع الله على قلوب أوليائه فمنهم من لم يصلح لحمل المعرفة صرفًا فشغلهم بالعبادة وقال أبو العباس الدينوري رضي الله عنه أن لله عبادًا لم يستصلحهم لمعرفته فشغلهم بخدمته وله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهلهم لمحبته وقال يحيى بن معاذ رضي الله عنه الزاهد صيد الحق من الدنيا والعارف صيد الحق من الجنة اه يعني أن الزاهد أصطاده الله من الدنيا فقبضه وأدخله الجنة والعارف أصطاده الحق من الجنة فأدخله الحضرة أصطاده من جنة الحس وجعله في جنة المعنى وهي جنة المعارف وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه في كتابه، سبحان من هيأ أقوامًا لخدمته وأقامهم فيها، وهيأ أقوامًا لمحبته وأقامهم فيها أهل الخدمة تجلى لهم الحق بصفة الجلال والهيبة فصاروا مستوحشين من الخلق قلوبهم شاخصة لما يرد عليها من حضرة الحق قد نحلت أجسادهم وأصفرت ألوانهم وخمصت بطونهم وبالشوق دابت أكبادهم وقطعوا الدياجي بالبكاء والنحيب وأستبدلوا الدنيا بالمجاهدة في الدين ورغبوا في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين وأهل المحبة تجلي لهم الحق تعالى بصفة الجمال والمحبة وسكروا بخمر لذيذ القربة شغلهم المعبود عن أن يكونوا من العباد ولا من الزهاد أشتغلوا بالظاهر والباطن وهو الله فحجبوا عن كل ظاهر وباطن زهدوا في التنعم والأنعام وأشتغلوا بمشاهدة الملك العلام اه كلامه رضي الله عنه هذا آخر الباب السابع وحاصلها رفع الهمة وشكر النعمة وحسن الأدب في الخدمة ونفوذ العزيمة بالأنتقال من دوام الخدمة إلى المحبة والمعرفة وإذا أراد الله أن يصطفي عبدًا لحمل معرفته وينقله من تعب خدمته قوي عليه الواردات الألهية فجذبته إلى الحضرة الربانية وهي مواهب لا مكاسب تنال بأعمال ولا بحيل وقل أن تأتي إلا بغتة كما أشار إلى ذلك في أول الباب الثامن فقال وقال رضي الله عنه قل ما تأتي الواردات الألهية إلا بغتة صيانة لها أن يدعها العباد بوجوب الأستعداد قال القشيري الوارد هو ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة مما لا يكون للعبد فيه تحمل والواردات أعم من الخواطر لأن الخواطر تختص بنوع خطاب أو ما تضمن معناه والواردات تكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت