فهرس الكتاب
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ... ولا أنثر الدر النفيس على البهم
فإن قدر الله الكريم بلطفه ... ولاقيت أهلًا للعلوم وللحكم
بذلت علومي وأستفدت علومهم ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم
فمن منح الجهال علمًا أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقال على كرم الله وجهه حدث الناس بقدر ما يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وقد قيل للجنيد رضي الله عنه يسألك الرجلان فتجيب هذا بخلاف ما تجيب به هذا فقال الجواب على قدر السائل قال عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم اه وقال رجل لبعض العلماء وقد سأله فلم يجبه أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كتم علمًا نافعًا ألجم يوم القيامة بلجام من النار فقال له العالم أترك اللجام وأذهب فإن جاء من يستحقه وكتمته فليلجمني به اه وأما وجه جهله في كونه معبرًا عن كل ما شهد من الكرامات وما وصل إليه من المقامات وما ذاقه من الأنوار والأسرار فلأن هذه الأمور أذواق باطنية وأسرار ربانية لا يفهمها إلا أربابها فذكرها لمن لا يفهمها ولا يذوقها جهل بقدرها وأيضًا هي أمانات وسر من أسرار الملك وسر الملك لا يحل أفشاؤه فمن أفشاه كان خائنًا وأستحق الطرد والعقوبة ولا يصلح أن يكون أمينًا بعد ذلك، فكتم الأسرار من شأن الأخيار، وهتك الأسرار من شأن الأشرار، وقد قالوا قلوب الأحرار قبور الأسرار وقال الشاعر
لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة ... فالسر عند خيار الناس مكتوم
وفي أفشائها قلة عملها ونفعها في الباطن ففائدة هذه الأحوال والواردات الألهية هي محو الحسي وأظهار المعنى أو محو الشك وتقوية اليقين فإذا أفشاها ضعف أعمالها وقلت نتيجتها والخير كله في الكتمان في الحديث أستعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها أو كما قال عليه السلام وينخرط في سلك الأحوال التي يجب كتمانها خرق عوائد النفوس فمن خرق عادة في نفسه فلا يفشي ذلك لغيره فإن في ذلك دسيسة لها لأنها تحب أن تذكر بالقوة والنجدة فيكون كلما قتل منها أحياه في ساعته وفيه أيضًا نقص الأخلاص وأدخال الرباء وهو سبب الهلاك والعياذ بالله وأما وجه جهله في كونه ذكرًا لكل ما علم من الحقائق والعلوم والمعارف فلأنه جهل قدرها وأستخف شأنها فلو كانت عنده رفيعة عزيزة ما أفشاها لغيره إذ صاحب الكنز لا يبوح به وإلا سلبه من ساعته وأنظر قول شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه
أحفر لسرك ودكو ... في الأرض سبعين قامه
وخل الخلائق يشكو ... إلى يوم القيامه
وإذا كان الله تعالى يقول"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"فكيف بالعلم الذي هو لؤلؤ مكنون قال عليه الصلاة والسلام إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء بالله فإذا أظهروه أنكره أهل الغرة بالله اه وقال أبو هريرة رضي الله عنه حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من علم أما أحدهما فبثثته في الناس وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم اه ولله در زين العابدين سيدنا علي بن الحسين بن علي كرم الله وجهه حيث يقول
يا رب جوهر علم لو أبوح به ... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا ستحل رجال مسلمون دمي ... يرون أقبح ما يأتونه حسنًا
أني لأكتم من علمي جواهره ... كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا