فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 311

وقال الروذابادي رحمه الله علمنا هذا أشارة فإذا صار عبارة خفي وقال الأمام الغزالي قد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالود والمسك قلت قد يرخص للعارف الماهر ألقاء الحقائق مع من لا يعرفها بعبارة رقيقة وأشارة لطيفة وغزل رقيق بحيث لا يأخذ السامع منها شيأ فقد كان الجنيد رضي الله عنه يلقي الحقائق على رؤس الأشهاد فقيل له في ذلك فقال جانب العلم أحمى من أن يأخذه غير أهله أو علمنا محفوظ من أن يأخذه غير أهله والله تعالى أعلم ثم أن الأجابة عن كل ما سئل والتعبير عن كل ما شهد وذكر كل ما علم يوجب أقبال الخلق عليهم وتعظيمهم وأكرامهم في هذه الدار لأن من ظهرت مزيته وجبت خدمته، ومن شأن العامة تعظيم صاحب الكرامة فيجني ثمرة علمه وعمله في هذه الدار الفانية وتفوته درجات الصديقين في تلك الدار الباقية فأمره بكتمها ويقنع بعلم الله ويدخر الجزاء عليها ليوم لقاء الله وعلى ذلك نبه بقوله إنما جعل الدار الآخرة محلًا لجزاء عباده المؤمنين لأن هذه الدار لا تسع ما يريد أن يعطيهم، ولأنه أجل أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها قلت لا شك أن الله تعالى وسم هذه الدار بدار الغرور، وحكم عليها بالهلاك والثبور، فهي دار دنية دانية زائلة فانية فلذلك سميت الدنيا أما لدنوها وإما لدناءتها فهي ضيقة الزمان والمكان ووسم الآخرة بدار القرار ومحل ظهور الأنوار، وأنكشاف الأسرار، محل النظرة والحبور، ودوام النعمة والسرور، محل شهود الأحباب، ورفع الحجاب، نعيمها دائم، ووجودها على الدوام قائم، فلذلك جعلها الحق تعالى محلًا لجزاء عباده المؤمنين، ومقعد صدق للنبيين والصديقين، ولم يرض سبحانه أن يجازيهم في دار لا بقاء لها ضيقة الزمان والمكان ومحل الأكدار والأغيار والذل والهوان، لأنها ضيقة لا تسع ما يريد أن يعطيهم أي لا يسع فيها ما يريد أن يكرمهم به تعالى زمانًا ولا مكانًا لأن أدنى أهل الجنة يملك قدر الدنيا عشر مرات فكيف بأعلاهم قال تعالى"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون"وقال صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولأنه جل وعلا أجل أي عظم أقدار عباده المؤمنين والمقربين أن يجازيهم في دار لا بقاء لها فعمارتها خراب، ووجودها سراب، ففي بعض الأخبار لو كانت الدنيا من ذهب يفني والأخرة من خزف يبقي لأختار العاقل الذي يبقي على الذي لا يبقي اه لا سيما بالعكس فالآخرة من ذهب يبقي والدنيا من خزف يفني فلا يختارها إلا من حكم الله عليه بالشقاء والعناء والخزف بالخاء والزاي والفاء المحركات الطين المصنوع للبناء وهو الآجر وفي حديث آخر الأوأن السعيد من أختار باقية يدوم نعيمها على فانية لا ينفك عذابها وقدم لما يقدم عليه مما هو الآن في يده قبل أن يخلفه لمن يسعد بأنفاقه وقد شقي هو بجمعه وأحتكاره اه وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حلوا أنفسكم بالطاعة وألبسوها قناع المخافة وأجعلوا آخرتكم لأنفسكم وسعيكم لمستقركم وأعلموا أنكم عن قليل راحلون وإلى الله سائرون ولا يغني عنكم هنالك إلا صالح عمل قدمتوه أو حسن ثواب جزيتموه أنكم إنما تقدمون على ما قدمتم وتجازون على ما أسلفتم فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية فكأن قد كسف القناع وأرتفع الأرتياب ولاقي كل أمرء مستقره وعرف مثواه ومنقلبه اه ثم أن الجزاء في تلك الدار إنما يكون على العمل في هذه الدار بشرط كونه مقبولًا وقبوله مغيب لكن له علامات يعرف بها هنا أشار إليها بقوله من وجد ثمرة عمله عاجلًا فهو دليل على وجود القبول قلت ثمرة العمل هي لذيذ الطاعة وحلاوة المناجاة وأنس القلب بالمراقبة وفرح الروح بالمشاهدة والسر بالمكالمة قد علم كل أناس مشربهم ودليل وجود هذه الثمرة النشاط في النهوض إليها والأغتباط بها والمداومة عليها وزيادة المدد فيها وهي علامة حلول الهداية في القلب قال تعالى ويزيد الله الذين أهتدوا هدى وللبوصيري في همزيته

وإذا حلت الهداية قلبًا ... نشطت للعبادة الأعضاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت