فهرس الكتاب
وأن أهمل هذين الأمرين فالشقاوة لازمة له اه بالمعنى وبالله التوفيق ثم إذا أعطاك ما طلبت من كمال الأستقامة ونهضت إليه نادمًا على ما فاتك من الطاعة كانت نهايتك الوصول إلى الحبيب ومناجات القريب هناك تكل الألسن عن العبارة وتنقطع الأشارة كما أبان ذلك بقوله ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته بل العارف من لا إشارة له لفنائه في وجوده وأنطوائه في شهوده قلت الأشارة أرق وأدق من العبارة والرمز أدق من الأشارة فالأمور ثلاثة عبارات وأشارات ورموز وكل واحدة أدق مما قبلها فالعبارة توضح والأشارة تلوح والرمز يفرح أي يفرح القلوب بإقبال المحبوب وقالوا علمنا كله إشارة فإذا صار عبارة خفي أي خفي سره أي فإذا صار عبارة بأفصاح اللسان لم يظهر سره على الجنان فأشارة الصوفية هي تغزلاتهم وتلويحاتهم بالمحبوب كذكر سلمي وليلي وذكر الخمرة والكيسان والنديم وغير ذلك مما هو مذكور في أشعارهم وتغزلاتهم وكذكر الأقمار والنجوم والشموس والبدور واللوائح والطوالع وكذكر البحار والأغراق وغير ذلك مما هو مذكور في أصطلاحاتهم وأما الرموز فهي إيماء وأسرار بين المحبوب وحبيبه لا يفهمها غيرهم.
ومنها في القرآن فواتح السور ومنها في الحديث كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر أريد أن أدعوك لأمر قال وما هو يا رسول الله قال هو ذاك فرمز لأمر بينهما لا يعرفه غيرهما وقال له أيضًا يا أبا بكر أتعلم يوم يوم بتكرير لفظ يوم قال نعم يا رسول الله سألتني عن يوم المقادير فهذه رموز بين الصديق وحبيبه قال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح الحزب الكبير وقد حارت العقول في رموز الحكماء فكيف بالعلماء فكيف بالأنبياء فكيف بالمرسلين فكيف يطمع في حقائق رب العالمين اه وأما الأشارات فيدركها أربابها من أهل الفن والناس في أدراكها وعدمه على أقسام فمنهم من لا يفهم منها شيئًا ولا يعرف إلا ظاهر العبارة وهم الجهال من عموم الناس ومنهم من يفهم المقصود ويجد الحق بعد الأشارة أي بعد سماع الأشارة وهم أهل البداية من السائرين، ومنهم من يفهم الأشارة ويجد المشار إليه وهو الحق أقرب إليه من ؟أشارته وهم أهل الفناء في الذات قب التمكين، ولهذا تجدهم يتواجدون عند السماع ويتحركون وتطيب أوقاتهم وتهيم أرواحهم أكثر مما يتواجدون عند الذكر لأن الأشارة تهيج أكثر من العبارة بخلاف المتمكنين قد رسخت أقدامهم وأطمأنت قلوبهم وتحقق وصولهم فاستغنوا عن الإشارة والمشير ولذلك قيل للجنيد مالك كنت تتحرك عند السماع وتتواجد واليوم لا نراك تتحرك بشيء قال وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب اه وهذا هو العارف الذي لا إشارة له لفنائه في وجود الحق وأنطوائه في شهوده أو تقول لتحقق وصوله وتمكنه في شهوده فصار المشير عين المشار إليه لفناء وجوده في وجود محبوبه وأنطواء ذاته في ذات مشهوده أو تقول لزوال وهمه وثبوت علمه فتحققت الوحدة وأمتحت الغيرية
رق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
فالأقداح أشباح والخمور أرواح أو تقول لذهاب حسه وأنطماس رسمه فأنكسرت الأواني وسطعت المعاني،
وطاح مقامي في الرواسم كلها ... فلست أرى في الوقت قربًا ولا بعدًا
فنيت به عني فبان به غيبي ... فهذا ظهور الحق عند الفنا قصدا
أحاط بنا التعظيم من كل جانب ... وعادت صفات الحق مما يلي العبدا