فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 311

قال فارس رضي الله عنه القبض أولًا ثم البسط ثانيًا ثم لا قبض ولا بسط لأن القبض والبسط لمعان في الوجود وأما مع الفناء والبقاء فلا اه وأعلم أن القبض والبسط لهما آداب فإذا أساء فيهما الأدب طرد إلى الباب أو إلى سياسة الدواب فمن آداب القبض الطمأنينة والوقار والسكون تحت مجاري الأقدار والرجوع إلى الواحد القهار فإن القبض شبيه بالليل والبسط شبيه بالنهار ومن شأن الليل الرقاد والهدو والسكون والحنو فأصبر أيها المريد وأسكن تحت ظلمة ليل القبض حتى تشرق عليك شموس نهار البسط إذ لا بد لليل من تعاقب النهار ولا بد للنهار من تعاقب الليل، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل هذا آداب القبض الذي لا تعرف له سببًا وأما أن عرفت له سببًا فأرجع فيه إلى مسبب الأسباب ولذا بجانب الكريم الوهاب فهل عودك إلا حسنًا وهل أسدي إليك إلا مننًا فالذي واجهتك منه الأقدار هو الذي عودك حسن الأختيار فالذي أنزل الداء هو الذي بيده الشفاء يا مهموم بنفسه لو ألقيتها إلى الله لأسترحت فما تجده القلوب من الأحزان فلا جل ما منعته من الشهود والعيان والحاصل أن سبب القبض أنما هو النظر للسوي والغفلة عن المولي وأما أهل الصفا فلا يشهدون إلا الصفا ولذلك كان عليه الصلاة السلام يقول من أصابه هم أو غم فليقل الله الله لا أشرك به شيئًا فإن الله يذهب همه وغمه أو كما قال عليه السلام والحديث صحيح فأنظر كيف دل عليه الصلاة والسلام المقبوض إلى الدواء وهو شهود التوحيد والغيبة عن الشرك فدلنا صلى الله عليه وسلم على القول والمراد منه المعنى فكأنه قال أعرفوا الله ووحدوه ينقلب قبضكم بسطًا ونقمتكم نعمة وكذلك في حديث آخر قال ما قال أحد اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل أسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيوب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله همه وغمه وأبدل مكان همه فرحًا وسرورًا فدلهم أولًا في الحديث الأول على شهود الربوبية وفي الحديث الثاني على القيام بوظائف العبودية وهو الصبر والرضي إذ من شأن العبد أن يصبر على أحكام سيده ويسلم ويرضي لما يجريه عليه من أوصاف قهره ومن آداب البسط كف الجوارح عن الطغيان وخصوصًا جارحة اللسان فإن النفس إذا فرحت بطرت وخفت ونشطت فربما تنطق بكلمة لا تلقي لها بالأ فتسقط في مهاوي القطيعة بسبب سوء أدبها ولذلك كان يبسط مزلة أقدام فإذا أحس المريد بالبسط فليلجم نفسه بلجام الصمت وليتحل بحلية السكينة والوقار وليدخل خلوته وليلتزم بيته فمثل الفقير في حالة البسط والقوة كقدر على وفار فإن تركه يغلي أهراق أدامه وبقي شاحتًا وأن كفه وأخمد ناره بقي أدامه تامًا كذلك الفقير في حالة القوة والبسط يكون نوره قويًا وقلبه مجموعًا فإذا تحرك وبطش وتتبع قوته برد ورجع لضعفه وما ذلك إلا لسوء أدبه والله تعالى أعلم ولأجل هذا كان العارفون يخافون من البسط أكثر من القبض كما نبه عليه بقوله العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا قلت كل من فتح عليه في شهود المعاني فهو عارف فأن تمكن من شهود المعني على الدوام فهو واصل متمكن وإلا فهو سائر وأنما كان العارف إذا أنبسط أخوف منه إذا انقبض لأن القبض من شأنه أن يقبض النفس عن حظوظها ومن شأنه أيضًا السكون والسكون كله أدب ومن شأن البسط أن يبسط النفس وينشطها فربما تبطش لما فيه حظها فتزل قدم بعد ثبوتها بسبب قلة آدابها ولذلك قال ولا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل قلت وهم أهل الطمأنينة والتمكين لأنهم كالجبال الرواسي لا يحركهم قبض ولا بسط فهم مالكون الأحوال لا يخرجهم القبض ولا البسط عن حالة الأعتدال بخلاف السائرين وأن كانوا عارفين فإنهم ربما تؤثر فيهم الواردات فيرد عليهم وارد البسط فيخرجهم عن حد الأدب وقد قيل قف على البساط وإياك والأنبساط وقال رجل لأبي محمد الحريري رضي الله عنه كنت على بساط الأنس وفتح على طريق البسط فزللت زلة فحجبت عن مقامي فكيف السبيل إليه دلني على الوصول إلى ما كنت عليه فبكي أبو محمد وقال يا أخي الكل في قهر هذه الخطة لكني أنشدك أبياتًا لبعضهم وأنشد يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت