فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 34

و أكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال {وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد عليَّ بكل مَنْ تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به .

فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم و أحمقه و أسخفه عقلا ؛ إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه ، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله ، والنبي × يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول: لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا ، فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل الأحباب ، فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة و إيتام الأولاد و قتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته .

وتقرير النبوة بهذه الآية له وجوه متعددة: هذا أحدها .

وثانيها: إقدامه هذا الأمر و إسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا ، فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى ؛ و إلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك .

وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله ، الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه.

وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه ، وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغة خبره ، ولو لم يفهمه ولم يتأمله ، فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم لم يوفوه عشر معشار حقه حتى قَصَر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارض0ته مع القدرة عليها ، وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته ، وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام ، وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب ، إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت