وقال {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } [هود13] .
وقال {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين} [ الطور34 - 33] .
ثم أسجل سبحانه عليهم إسجالا عاما في كل زمان ومكان بعجزهم عن ذلك ولو تظاهر عليه الثقلان فقال { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } [الإسراء88]
فانظر أي موقع يقع من الأسماع والقلوب هذا الحجاج القاطع الجليل الواضح الذي لا يجد طالب الحق ومؤثره ومريده عنه محيدا ولا فوقه مزيدا ولا وراءه غاية ، ولا أظهر منه آية ولا أصح منه برهانا ولا أبلغ منه بيانا )) .
و قال في كتابه (( بدائع الفوائد ) ) [1] : (( فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى النبوة ، فقال { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به وقلتم إنه مفتعل = فأتوا بسورة واحدة تشبهه ، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم .
و من المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته = كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه ، فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته .
فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله ، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة ، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به ، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة و جلالة.
(1) 4/134-136 الطبعة المنيرية .