ولهذا لما قدم وفد بني حنيفة على أبي بكر وسألهم أن يقرؤوا له شيئا من قرآن مسيلمة فاستعفوه ، فأبى أن يعفيهم حتى قرأوا شيئا من هذا ، فقال لهم الصديق: ويحكم ، أين يذهب بعقولكم ، إن هذا كلام لم يخرج من إِلٍّ ، أي: من ربٍّ .
فاستفهم استفهام المنكر عليهم لفرط التباين وعدم الالتباس وظهور الافتراء على هذا الكلام ، وأن الله سبحانه وتعالى لا يتكلم بمثل هذا الهذيان .
وأما الطرق فكثيرة جدا متنوعة من وجوه ، وليس كما يظنه بعض الناس .
و إن معجزته من جهة صرف الدواعي عن معارضته، وقول بعضهم إنه من جهة فصاحته ، وقول بعضهم من جهة إخباره بالغيوب إلى أمثال ذلك ، فإن كلاّ من الناظرين قد يرى وجها من وجه الإعجاز ، وقد يريد الحجر وإن لم ير غيره ذلك الوجه ، واستيعاب الوجوه ليس هو مما يتسع له شرح هذه العقيدة )) ( شرح العقيدة الأصفهانية ص 266-269) .
و سيأتي نقل أقواله الكثيرة في هذا ، وبعض تلك النقول في عشرات الصفحات ، لولا الإطالة لنقلتها لأهميتها .
قال ابن القيم [1] في تفسير آيات التحدِّي: (( و من ذلك احتجاجه سبحانه على نبوة رسوله وصحة [2] ما جاء به من الكتاب وأنه من عنده وكلامه الذي يتكلم به وأنه ليس من صنعة البشر ولا من كلامهم بقوله: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } [البقرة23] .
فأمر من ارتاب في هذا القرآن الذي نزله على عبده و أنه كلامه = أن يأتي بسورة واحدة مثله ، وهذا يتناول أقصر سورة من سوره ، ثم فسح له إن عجز عن ذلك أن يستعين بمن أمكنه الاستعانة به من المخلوقين .
وقال تعالى { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } [يونس38 ] .
(1) الصواعق المرسلة 2/467-469.
(2) انظر: الجواب الصحيح 5/428/436 و المجموع 33/42-43 و النبوات 2/860-862 ط السلف