و معلوم أن إرادتهم كانت من أشد الإرادات على تكذيبه وإبطال حجته ، و أنهم كانوا أحرص الناس على ذلك حتى قالوا فيه ما يعلم أنه باطل بأدنى نظر ، و فيلسوفهم الكبير الوحيد {فكر وقدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر} .
و ليس هذا موضع ذكر جزئيات القصص ؛ إذ المقصود ذكر ما علم بالتواتر من أنهم كانوا من أشد الناس حرصا ورغبةً على إقامة حجة يكذبونه بها حتى كانوا يتعلقون بالنقض مع وجود الفرق ؛ فإنه لما نزل {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } عارضوه بالمسيح حتى فرق الله تعالى بينها بقوله {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } وقال تعالى {ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } .
فمن عارضوا خبره بمثل هذا ؛ كيف لا يدعون معارضة القرآن وهم لا يقدرون على ذلك [1] ؟ )) .
ثم قال: (( ثم انتشرت دعوته في أرض العرب ثم في سائر الأرض إلى هذا الوقت ، وآيات التحدي قائمة متلوة ، و ما قدر أحد أن يعارضه بما يظن أنه مثل .
ولما جاء مسيلمة ونحوه بما أتوا به يزعمون أنهم أتوا بمثله ، كان ما أتوا به من المضاحك التي لا تحتاج للمعرفة بانتفاء مماثلها إلى نظر .
وذلك كمن جاء إلى الرجل الفارس الشجاع ذي اللامة التامة فأراد أن يبارزه بصورة مصورة ربطها على الفرس ، كقول مسيلمة: يا ضفدع بنت ضفدعين ، كم تنقنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين ، رأسك في الماء وذنبك في الطين . وقوله أيضا: الفيل وما أدراك ما الفيل ، له زلوم طويل إن ذلك من خلق ربنا الجليل ، وأمثال ذلك .
(1) كذا في الأصل ، و لعل لا زائدة ؛والمعنى واضح: أي لو كان في مقدورهم معارضة التحدي لفعلوا ، فهم عارضوه في الشيء اليسير ، و سأراجع نسخة خطية عندي من شرح الأصفهانية .