بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم الفقير لعفو ربه
خالد بن عبد الرحمن بن حمد الشايع
الطبعة الأولى رمضان 1425هـ
دار بلنسية ـ الرياض ـ 014547549
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمدُ للهِ حَمْدَ الشَّاكرين، وصلَّى اللهُ وسلَّم على مُحَمَّدٍ خاتمِ الأنبياءِ وإمامِ المرسَلين، وعلى إخوانِهِ من النبيِّين، وعلى آلِ كُلٍّ، وسائرِ الصحابة والتَّابعين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، شهادةً أرجو بها النجاة يوم الدِّين، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
أمَّا بعد:
فهذه مقالاتٌ مختصرة وقطوفٌ معلَّقة، كنت قد حررتُها على صفحات جريدة الرياض في بعض أيام شهر رمضان، عام 1423هـ، وهي مشتملةٌ على بعض التأملات الروحية، والجوانب التربوية، والإشارات الاجتماعية، وكنتُ قد لاحظت إبان كتابتها أن تكون مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا تستأثر بوقت المطالع فيها، في أيام وليالٍ جديرةٍ بحفظ دقائقها وثوانيها.
ولما رغبَ بعضُ الفضلاء والأحبَّة أن تُجمع للطبع في رسالة مختصرة، أجبتهم، لما في ذلك من استمرار نفعها بمنِّ الله وكَرَمِهِ جلَّ وعلا، ولعلها أن تكون كذلك نواة لمن أراد يزيد على ما فيها من إشارات وقطوف.
والله المسئول أن يبلِّغنا رمضان أزمنةً مديدةً وأعوامًا عديدة، وأن يجعلنا به من الفائزين المقبولين، وأن يجعلنا عند لقائه جلَّ وعلا ممن قال فيهم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ [القيامة: 22] . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [1] ، وقال سبحانه: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ} [2] .
إنه سبحانه هو البَرُّ الرَّحيم، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسانٍ إلى يوم الدين.
تحريرًا في غرة رجب 1425هـ ... خالد بن عبد الرحمن بن حمد الشايع
الرياض 11574 ـ ص. ب/ 57242
التسجيل في مدرسة الأجيال
يحلُّ الزائر الكريم ويبدأ الموسم العظيم ... إنه شهر رمضان.
شهرٌ جاء التنويه به في القرآن والسنة، وتكاثرت فضائله والتي منها: أنه إذا حلَّ يقال: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
إنَّ هذا الشهر الذي الذي تكرر حلوله بساحة الأمة (1420) [3] مرة فيما مضى، وهذه هي المرة الحادية والعشرين بعد الأربعمائة والألف، قد تخرَّج في مدرسته أجيالٌ وأجيال، حيث إنه يهيئ الفرصة (للجادين) لينتقلوا بأنفسهم من الخطأ إلى الصواب، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الفشل إلى النجاح، ومن الهزيمة إلى الفوز، ومن كل نقص إلى كلِّ كمال، ليس في مجال واحدٍ فحسب، ولكن في مجالات عديدة: دينية، واجتماعية، واقتصادية، وجهادية، وغير ذلك.
وحسبك منه ذلك: الانتصار على دعوات (النفس الأمَّارة بالسوء) حيث استطاع المسلم ـ بصيامه لربه ـ أن تنتصر إرادتُه انتصارًا يجد لَذَّتَهُ ويحسُّ بنشوته في مغرب كل يوم:"فرحةٌ عند فِطْرِه".
** وإذا ما شئتَ مثالًا مؤكدًا لما تقدم:
فلك أن تلاحظ ذلك المسلم العاصي الذي يدمن الخمر ولا يتورع عن شربها ليل نهار، لكن في رمضان لو أراد أحدٌ أن يجبره على رشفة ماء زلال حلال لخاصمه أشد مخاصمة!!.
إنها مدرسة ترتقي بالناس إلى كل فاضل، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [4] .
ولكن ذلك إنما هو للجادين الصادقين. وهاهي تشرع أبوابها للتسجيل الذي قد لا تتهيأ فرصته في مرةٍ قادمة، فكم من مؤملٍّ لغدٍ لا يدركه، وكم من مقيم بين الأحياء في الصبح أمسى بين أهل القبور، وكم من مؤمل إدراك الشهر لا يبلغه. والله المستعان.
نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كيف حال الـ (1300.000.000) في رمضان؟!
** (مليار) و (300) مليون.
هذا هو العدد التقريبي لأهل الإسلام اليوم.
وُضوءُ هم واحد.
صَلاتُهم واحدة.
صِيامُهم واحد.
حَجُّهم واحد.
كلهم يعبدون إلهًا واحدًا، لا إله إلا هو، وهم له مسلمون.
** ولكن: كيف هي قلوبهم نحو بعضهم؟ وكيف هو همهم في نصرة دينهم؟ وكيف هم في غاياتهم؟.
** الجواب: هو كما تمثله مآسي أهل الإسلام على خارطة العالم. وقد صارت في هذا العام أشد إثخانًا، وأعظم عصفًا بالأمة وترابطها.
هاهو رمضان يحل في ساحة الأمة، وفي رمضان تتجلى معانٍ سامية، يغترف منها الواردون وينهلون من معينها: {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [5] .
وأنت أيها القارئ مدعوٌ لأن تأخذ (حظك) من هذه (الغنيمة الكبرى) وأنت تصطفُّ حول (مائدة) الرحمن، التي خص بها أهل الإيمان من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(1) سورة القيامة، الآيتين: 22 و 32.
(2) سورة عبس، الآيتين: 38 و 39.
(3) ساعة تحرير هذه الأسطر.
(4) سورة البقرة، الآية: 183.
(5) سورة البقرة، الآية: 60.