فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 7

وإنَّ من أعظم ما ينبغي النَّهل منه هو: تحقق الأخوة الإيمانية بين المسلمين، فيوالي بعضهم بعضًا عملًا بقول الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [1] ، وقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"مَثَلُ المؤمِنِينَ في تَوَادِّهِم وتَرَاحُمِهِم، كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضوٌ تَدَاعَى له سائرُ الجَسَدِ بالحُمَّى والسَّهر".

وإن مما يؤكد الوحدة الإيمانية من خلال تشريع الصوم ما ثبت عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الصوم يوم تَصُومون، والفِطْر يوم تُفْطِرون، والأضحى يوم تضحُّون"رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة.

قال الإمام أبو عيسى الترمذي ـ رحمه الله ـ بعد تخريجه هذا الحديث:

وفَسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا: أنَّ الصوم والفِطر مع الجماعة وعِظَمِ الناس. ا. هـ.

فتأملوا ـ رحمكم الله ـ في هذه الوحدة الإيمانية، التي جمعت بين قلوبكم على اختلاف ألسنتكم وألوانكم وأوطانكم، إنها وحدة لا يمكن أن يشبهها وحدةٌ على وجه الأرض، فَلِمَ التفريط فيها والغفلة عنها: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [2] .

لماذا عقوق الآباء والأممهات؟!

ولماذا التقاطع بين الإخوان وذوي الأرحام؟!

ولماذا التصارم والتشاحن بين الأزواج؟!

ولماذا تهاجر الجيران؟!

ولماذا انفصام عُرى الأخوة بين أهل الإسلام؟!.

لقد كان حصاد ذلك أنَّ: (1300.000.000) فَقَدَت ميزتها وعنفوانها:"غُثاءٌ كَغُثَاءِ السَّيل".

أما أُمة الإسلام: فلم الاستخذاء والهوان، والالتفات لأمم الأرض الأخرى تتطلب من ورائها عزًا وتبتغي بتقليدها رفعة ومجدًا، كيف غفلوا عن قول بارئهم جلَّ وعلا: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [3] .

فياله من دِينٍ ما أعظمه، فكيف يغفل عن عظيم هذه النعمة الغافلون!!.

نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الفِطر في رمضان و (العولمة)

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا يزال الدِّينُ ظاهرًا ما عجَّل الناس الفِطْر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخِّرون"رواه أبو داود بهذا اللفظ، وأصله في الصحيحين.

فتأمل في تلك المفارقة الكبيرة، والمفاصلة المتميزة، بين هذه الأمة المحمدية وغيرها، حتى في مجال الطعام.

إنَّ هذا ليس هذا مقصودًا لذاته وحسب، بل لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة الغرَّاء، تساهل فيه كثيرٌ من الناس اليوم، ألا وهو: تميز هذه الأمة ومفاصلتها للأمم الأخرى، لتستقلَّ عنها في كل مجال، دينيًا كان أو حياتيًا، في الاقتصاد أو السياسة أو الأخلاق أو غير ذلك.

وهذا ما لاحظه اليهود منذ بواكير الرسالة المحمدية، وأزعجهم كثيرًا، حتى قالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه"كما جاء في"صحيح مسلم"من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -."

أفبعد كلِّ ذلك يتساهل بعض إخواننا وأخواتنا فيتأثروا بما ينعق به السُّذَّج، ويستجيبون لدعوات (العولمة) .

(عولمةٌ) في ماذا؟؟!!.

(عولمةٌ) في الاقتصاد والسياسة والأخلاق وغيرها.

بل وحتى (عولمةٌ دينية) ليتم مزج (أديان) الشعوب، حتى دين الله الحق الإسلام، فيتم بعد ذلك فرض (نظامٍ أو دينٍ عالمي جديد) أو ما يسمى (وحدة الأديان) وفق تصوراتٍ (إفرنجية) منحرفة، على غرار ما حرَّفوا به مِلَلَهم، وعلى نسق حياة (المجون) لديهم.

إن التأكيد على تميز أفراد هذه الأمة ذكورًا وإناثًا بِدِنهم الحق، قد استفاضت به نصوص الوحيين، وعَقَلَتْهُ الأمة جيلًا بعد جيل، بما يدل على أهميته الكبرى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [4] .

{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [5] .

وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شِبرًا بشِبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لتبعتموهم"، قال الصحابة: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال:"فمن"؟!.

(1) سورة التوبة، الآية: 71.

(2) سورة الأنفال، الآية: 63.

(3) سورة المائدة، الآية: 3.

(4) سورة المائدة، الآية: 51.

(5) سورة البقرة، الآية:120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت