فقالت: أنا، وأخي هنا، ليس لنا شيءٌ إلا هذا الإزار، وليس لنا قُوتٌ إلا ما يُلقى على هذه المزبلة، وقد حلَّت لنا المَيْتَةُ منذ أيام، وكان أبونا له مال، فظُلِم، وأُخِذَ مالُه وقُتِل!!.
وأمام هذه الحال المؤثرة، كيف صنع ابن المبارك؟!.
لقد أمر بِرَدِّ أحمال القافلة، وقال لوكيله الذي معه المال: كم معك من النفقة؟.
قال: ألف دينار.
فقال ابن المبارك: عُدَّ منها عشرين دينارًا تكفينا للرجوع إلى مَرْو (بلدته) ، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ثم رجع.
أيها الفضلاء: إن هذه الفتاة لها نظائر كُثيراتٌ وكثيراتٌ اليوم في بلاد المسلمين، ممن يعيشون البؤس والجوع والتشرد.
كل ذلك يقع مع وجود الثروات الهائلة بأيدي المسلمين والتي تقدر (زكواتها) بالمليارات!!.
حتى إن مجموع ما أُحصي مما يجب إخراجه من زكاة أموال تُجَّار العرب في عام واحدٍ: يزيد على ستةٍ وخمسين مليار دولار.
ولكن المشكلة الكبرى: أن هذا المال يحتاج لنَفْسٍ كريمة نبيلة، كنفس عبد الله بن المبارك، نفس يعمرها الإيمان، ويرفعها التقوى.
(عبد الله بن المبارك: الإمام شيخ الإسلام، عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته، الحافظ الغازي أحد الأعلام، أكثر من الترحال والتطواف في طلب العلم، وفي الغزو وفي التجارة، وأغدق الإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج، توفي في رمضان عام 181هـ رحمه الله ورضي عنه) .
نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ما أحوج المجتمعات لأمثال هؤلاء!!
قال بعض السلف: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله، وتصغيره، وستره.
هذا أدبٌ عالٍ لا ترتقي له إلا النفوس الكريمة، وقد عهد عن كرام ونبلائهم.
قال منصور بن عمار: دخلتُ على الليث بن سعد ـ رحمه الله ـ خلوةً، فأخرج من تحته كيسًا فيه ألف دينار، وقال: يا أبا السَّرِيّ، لا تُعلم بها ابني، فتهون عليه.
وعن بسطام التيمي قال: كان حماد بن أبي سليمان يزورني، فيقيم عندي سائر نهاره ولا يطعم شيئًا، فإذا أراد أن ينصرف، قال: انظر الذي تحت الوسادة، فَمُرهم أن ينتفعوا به، قال: فأجد الدراهم الكثيرة.
قال بعض الفضلاء: أعرف من كان يذهب بالصدقة ضحى أيام رمضان، لأن ذلك أنسب الأوقات وأبعد عن العيون، فالكل نائمٌ في الدار، وكذلك الجيران وأهل الطريق.
أقول: وكان شيوخ مشايخنا يحرصون على الجود والصلة، وإذا كان من يصلونه ذا فضل وقَدْرٍ فإنهم يُخْفُون تلك العطايا أشد الإخفاء، وكان بعضهم يرسل العطية مع ابنه ويقول: قل لفلان يسلم عليك أبي ويقول: هذا هو الحق الذي تطلبني، وسامحني على التقصير، ثم يسلِّمه المال، فيظن الابن أن المُعطَى هو المتفضل!!.
إن هذه النفوس الكريمة قد تخرجت من مدرسة الجود والكرم والأدب الجمِّ، من مدرسة رمضان، وصُقِلَت تلك المُهَجُ بنصوص الوحيين، فَسَمَت وجادت. والله المستعان.
نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
هل أنت منهم؟!
هكذا تتصرَّم أيام شَهرِنا ولَيَالِيه. وقد تفاوت الناس في استثمارها.
فمن الناس من يسابق وينافس في أنواع القربات، كلٌّ بما فتح الله عليه، ومنهم من لم يراوح سيئاته، واستمر على عصيانه، نسأل الله أن يهدينا جميعًا.
غير أن هناك مِنَحًَا إلهية، التفريط فيها أقبح وأقبح، فهو خسارة غير مجبورة، فلنتأمل مثلًا في الحديث التالي:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وللهِ عُتَقَاءُ مِنَّ النار، وذلك كلَّ ليلة"رواه الترمذي وابن ماجة.
وروى ابن ماجة عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّ للهِ عندَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءُ وذلك في كلَّ ليلة"ورواه أحمد من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -.
يا أخي القارئ، ويا أختي القارئة: لو سأل كلٌ منا نفسه: هل أنا ممن فاز بهذه المنحة الربانية، ولو لليلةٍ واحدةٍ من الليالي المنصرمة؟!.
بالتأكيد أنَّ أحدًا منا لا يدري عن ذلك.
ولكن مطلوب من المسلم والمسلمة أن يبذل الأسباب التي تجعله مهيأً لهذه المنحة الكبرى، ويكون ذلك بالأعمال الصالحة، ومجاهدة النفس في الكف عن السيئات.
إنَّ كلَّ واحدٍ مِنَّا أدرى بنفسه، وأعلم بتقصيره، فما عليه إلا أن ينظر في موضع الخلل ويبادر بإصلاحه، سواءً أكان تفريطًا في حقوق الله، أو تضييعًا لحقوق الناس، وليحسن فيما بقي، فإنَّ الأعمال بالخواتيم، فإن كان الختام سيئًا فذلك علامةُ الرد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن كان ختام الشهر طيبًا، كان كلُّ العمل طيبًا، نسأل الله التوفيق والقبول.
ونسأله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
فرصة العمر!!
قال الله جلَّ وعلا: {لَيْلةُ القَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [1] .
(1) سورة القدر، الآية: 3.