فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 7

قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ:"وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيه الكرم بالريح المرسلة في عمومها وتواترها وعدم انقضائها".

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: وفي هذا الحديث فوائد منها: بيان عظم جوده صلى الله عليه وسلم، ومنها: استحباب إكثار الجود في رمضان، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم.

نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

إن لم يكن اليوم ... فمتى؟!!

أجادت جريدة (الرياض) وتميزت في طرح تحقيقها الصحفي المتميز في أكثر من عدد حول (المدِينِين المسجونين) وخاصة في هذا الشهر الفضيل.

إن هذا الشهر المبارك بما يحمله من معاني الجود والإحسان يوجب علينا أن ننظر في أحوال بعضنا، وأن يسعى المقتدر لمساعدة من لا يقدر.

لقد كان محزنًا حقًا أن يُحرم عددٌ من إخواننا المسجونين من فرحة الاجتماع على مائدة الإفطار مع أهليهم ومشاركة إخوانهم عبادات هذا الشهر وروحانيته، بعيدًا عن القيود الحسية والمعنوية.

ولنا أن نتساءل تساءلًا عريضًا: أين الموسرون؟ أين الأغنياء؟ أين الملايين؟.

فالأغنياء المقتدرون في بلادنا، وخاصة أولئك الذين أعلم ـ ويعلم غيري ـ أن زكواتهم تبلغ الملايين، وهم كثيرون، مطالبون بأن يَخْرُجُوا مِن (سجن الأَثَرَة) ، وأن يتخلصوا من (قيود الشُّح) وأن يلتفتوا لإخوانهم المعسرين.

يا إخواني: عيبٌ والله أن يبقى أحدُنا في (السجن) بسبب عشرة آلاف إيجار منزل لأهله.

وعيبٌ أن يطول حبس امرئٍ منا بسبب ثلاثة آلاف قيمة خبز وحليب قوت أطفاله.

عيبٌ والله كبير.

أين المروءة؟!

أين التراحم؟!.

وهؤلاء الذين أودَعُوا غرماءَهم السجن: ألا يَجِدُون في قلوبهم متَّسعًا للرحمة والعفو.

فمن عفا؛ عفا الله عنه. ومن تجاوز؛ تجاوز الله عنه، خاصةً إذا كان ما يطالبون به ليس عن حاجة، ولكنه لرفع الرصيد.

فإلى الأغنياء والموسِرِين، ولغيرهم من المحسنين أُهدي هذا الكنْز العظيم:

ففي"الصحيحين"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كان تاجرٌ يُداين الناس، فإذا رأى مُعْسِرًا قال لصبيانه: تجاوَزُوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه".

وفي رواية:"فقال الله: نحن أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه".

وفي"صحيح مسلم"عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من سَرَّهُ أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فليُنَفِّس عن مُعْسِرٍ أو يضعْ عنه".

وإذا لم يبادر إخواننا الأغنياء لذلك اليوم، فمتى إذن؟!!.

نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

هكذا كانوا يصنعون

قد علم أهل الإسلام ما في تفطير الصائم من الأجر لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"من فطَّر صائمًا فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء"خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذيُّ وابن ماجة.

ومعرفة ما كان عليه السلف في هذا المجال تشحذ الهمم لفعل ما كانوا يفعلون.

فقد كان كثير من السلف يواسون مِنْ إفطارهم، أو يؤثرون به، ويبيتون جَوعَى طَاوِين.

ومن أمثلة ذلك:

* كان ابن عمر رضي الله عنهما يصوم، ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعهم أهلُه عنه، لم يتعشَّ تلك الليلة.

* وكان إذا جاءه سائلٌ وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائمًا ولم يأكل شيئًا.

* وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ فدفع إليه رغيفين كان يُعِدُّهما لفطره، ثم طوى، وأصبح صائمًا.

* وكان الإمام الزهري ـ رحمه الله ـ إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام.

* وكان الحسن البصري ـ رحمه الله ـ يُطعم إخوانه وهو صائم تطوعًا، ويجلس يروِّحُهم وهم يأكلون.

* وكان عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله ـ يُطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها، وهو صائم.

* قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم.

نسأل الله تعالى أن يَهَبَ لنا من لَدُنه رحمةَ، إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

هذا أفضل من حجِّنا هذا العام!!

خرج عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله مرةً ـ إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابُه أمامه، وتخلَّف هو وراءهم.

فلما مرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خَرَجَت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، ثم لَفَّتْهُ، ثم أسرعت به إلى الدار، فَتَبِعَها، وجاء إليها فسألها عن أمرِها، وأخذِها الميتة؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت