فهرس الكتاب
وقال البهيقي في شعب الإيمان من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوا شيء فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة منا فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم. اهـ
وقال الأستاذ عبد الرحمن بن القاضي المغربي بعد ذكره النقول المذكورة ولا يجوز غير ذلك ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله كأن العمة لا تعرف مرسوم المصحف ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا كتب على المرسوم (أي العثماني) إلى آخر ما عللوا به. فهذا ليس بشيء لأن من يعرف المرسوم من الأمة يجب عليه أن لا يقرأ في المصحف حتى يتعلم القراءة على وجهها. ويتعلم مرسوم المصحف فان فعل غير ذلك فقد خالف ما اجتمعت عليه الأمة وحكمه معلوم في الشرع الشريف. ومن علل بشيء فهو مردود عليه لمخالفته للإجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق كثير من الناس في هذا الزمان فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره. اهـ
وقال صاحب فتح الرحمن: بعد ذكره النقول المذكورة أيضا: فما كتبوه بألف كذلك وما كتبوه متصلا فواجب أن يكتب متصلا وما كتبوه منفصلا فواجب أن يكتب منفصلا. وما كتبوه بالتاء فواجب أن يكتب بالتاء, وما كتبوه بالهاء فواجب أن يكتب بالهاء. ومن خالف في ذلك من شئ فقد أثم. اهـ
وقال الأمام ابن الحاج في المدخل: ويتعين عليه (كاتب المصحف) أن يترك ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان وهو أن ينسخ المصحف على غير مرسوم المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة على ما وجد به بخط عثمان بن عفان رضي الله عنه قال الإمام مالك: القرآن يكتب بالكتاب الأول اهـ
وغي شرح الطحاوي. ينبغي لمن أراد كتابة القرآن أن ينظم الكلمات كما هي في مصحف عثمان رضي الله عنه لإجماع الأمة على ذلك. اهـ
وقال القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء. وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول_الحمد لله رب العالمين_إلى آخر _قل أعوذ برب الناس. أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وأن جميع ما فيه حق. وأن من نقض حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر. اهـ وأيده شراحه ومنهم الإمامان الملا على القارئ والشهاب الخفاجي (كلاهما من كبار الحنفية) وقالا بعد قوله أو زاد حرفا, أي كتابة أو قراءه اهـ
ففي كل هذه النقول دلالة جلية على وجوب اتباع الصحابة فيما فعلوه من رسم المصحف الشريف.
وكما لا تجوز مخافة المصحف في القرآن. لا يجوز لأحد أن يطعن في شئ مما رسموه فيها لأنه طعن في مجمع عليه. ولأن الطعن في الكتابة كالطعن في التلاوة.
وقد بلغ الإفراط ببعض المؤرخين [1] إلى أن قال في مرسوم الصحابة مالا يليق بعظيم علمهم الراسخ وشريف مقامهم الباذخ فأباك أن تغتر به. ولا التفات إلى ما ذكره بغض المتأخرين من أن
(1) كابن خلدون حيث قال في مقدمته ص:332:كان الخط العربي لأول الاسلام غير بالغ إلى الغاية من الأحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط لما كان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه كما يقتفي لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صواب وأين نسبة ذلك من الصحابة في ما كتبوه فاتبع ذلك واثبت رسما ونبه العلماء الرسم على موضعه. ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط وإن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه ويقولون في مثل زيادة الألف في لا اذبحنه أنه تنبيه على أن الذبح لم يقع. وفي زيادة الياء في باييد: أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية. وأمثال ذل ما لا أصل له إلا التحكم المحض. وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيه للصحابه عن توهم النقص في قلة إجادة الخط وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم عن نقصه ونسبوا إليهم الكمال بإجادته. وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه. وذلك ليس بصحيح اهـ