فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 138""""""
اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ , وَأَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ فِي غَايَةِ الشُّهْرَةِ , وَدَلائِلُ هَذَا مِنْ الأَحَادِيثِ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَحَدِيثِ ( زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ) وَحَدِيثُ ( لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا ) وَحَدِيثُ ( مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ .
وَمَعْنَى أَذِنَ اسْتَمَعَ كَمَا يَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي آدَابِ الْقُرْآنِ , وَحَدِيثِ ( لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا إلَى الرَّجُلِ الْحَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إلَى قَيْنَتِهِ ) رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ , وَحَدِيثِ ( مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ .
قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ أَيْ مَنْ لَمْ يُحَسِّنْ صَوْتَهُ بِهِ .
وَعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ: مَرَّ بِنَا أَبُو لُبَابَةَ فَأَتْبَعْنَاهُ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَدَخَلْنَاهُ عَلَيْهِ , فَإِذَا رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) يَقُولُ ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ) قَالَ فَقُلْت لابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنَ الصَّوْتِ ؟ قَالَ يُحَسِّنُهُ مَا اسْتَطَاعَ .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَالْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ ( سَمِعْت النَّبِيَّ( صلى الله عليه وسلم ) قَرَأَ بِالْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ ) .
فَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الْقِرَاءَةِ بِالتَّمْطِيطِ فَإِنْ أَفْرَطَ حَتَّى زَادَ حَرْفًا أَوْ أَخْفَاهُ حَرُمَ .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالأَلْحَانِ فَهِيَ مَحَلُّ الْخِلافِ حَيْثُ خَلَتْ عَنْ التَّمْطِيطِ وَإِبْدَالِ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا .
فَالْمَذْهَبُ الْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا .
وَظَاهِرُ كَلامِ النَّاظِمِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ .
وَقَدْ يُقَالُ التَّمْطِيطُ الْمُتَكَلَّفُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّعَسُّفِ وَالتَّشَدُّقِ وتلوق الْفَمِ مَكْرُوهٌ وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ حُرُوفٌ لإِخْرَاجِ الْقِرَاءَةِ عَنْ الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ وَالْقَانُونِ الْعَرَبِيِّ إلَى التَّعَوُّجِ وَالتَّشَدُّقِ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ) وَمَتَى خَلَتْ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَلا كَرَاهَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ .
وَظَاهِرُ كَلامِ النَّوَوِيِّ فِي ( التِّبْيَانِ ) عَدَمُ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لا تَمْطِيطَ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ حُرُوفٌ لأَنَّهُ قَالَ إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ اللَّحْنُ عَنْ لَفْظِهِ وَقَرَأَهُ عَلَى تَرْتِيلِهِ كَانَ أَيْ التَّلْحِينُ مُبَاحًا .
وَقَالَ قَبْلَ هَذَا: وَأَمَّا الْقُرْآنُ بِالأَلْحَانِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله فِي مَوَاضِعَ أَكْرَهُهَا , وَقَالَ فِي مَوَاضِعَ لا أَكْرَهُهَا .
قَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ , فَإِنَّ أَفْرَطَ فِي التَّمْطِيطِ فَجَاوَزَ الْحَدَّ فَهُوَ الَّذِي كَرِهَهُ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَكْرَهْهُ .
ثُمَّ نُقِلَ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ: الْقِرَاءَةُ بِالأَلْحَانِ الْمَوْضُوعَةِ إنْ أَخْرَجَتْ لَفْظَ الْقُرْآنِ عَنْ صِيغَتِهِ بِإِدْخَالِ حَرَكَاتٍ فِيهِ أَوْ إخْرَاجِ حَرَكَاتٍ عَنْهُ أَوْ قَصَرَ مَمْدُودًا أَوْ مَدَّ مَقْصُورًا , وَتَمْطِيطٍ يَخْفَى بِهِ بَعْضُ اللَّفْظِ وَيَلْتَبِسُ الْمَعْنَى فَهُوَ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ بِهِ الْمُسْتَمِعُ , لأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ إلَى الاعْوِجَاجِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ
( قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ )
قالَ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهُ اللَّحْنُ عَنْ لَفْظِهِ وَقَرَأَهُ عَلَى تَرْتِيلِهِ كَانَ مُبَاحًا كَمَا مَرَّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ