الصفحة 158 من 830

""""""صفحة رقم 161""""""

3 ( مطلب فِي التَّوَدُّدِ إلَى النَّاسِ وَأَنَّهُ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا وَطَبْعًا ) 3

قَالَ فِي الآدَابِ الْكُبْرَى: وَيَجِبُ كَفُّ يَدِهِ وَفَمِهِ وَفَرْجِهِ وَبَقِيَّةِ أَعْضَائِهِ عَمَّا يَحْرُمُ وَيُسَنُّ عَمَّا يُكْرَهُ . قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ وَإِلا جَازَ . قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه: إنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ . قَالَ وَمَتَى قَدَرَ أَنْ لا يُظْهِرَ مُوَافَقَتَهُمْ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ وَلا فِيهِ كَلامٌ , وَإِنَّمَا فِيهِ طَلاقَةُ الْوَجْهِ خَاصَّةً لِلْمَصْلَحَةِ , وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ( أَنَّ رَجُلا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ( صلى الله عليه وسلم ) فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ , فَلَمَّا دَخَلَ أَلانَ لَهُ الْقَوْلَ .

قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت الَّذِي قُلْت ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْلَ ؟ قَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ ) .

قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِيهِ مُدَارَاةُ مَنْ يَتَّقِي فُحْشَهُ وَلَمْ يَمْدَحْهُ النَّبِيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) وَلا أَثْنَى عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَلا فِي قَفَاهُ إنَّمَا تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِينِ الْكَلامِ .

وَقِيلَ لِلإِمَامِ الْعَلامَةِ ابْنِ عَقِيلٍ كَمَا فِي الْفُنُونِ: اسْمَعْ وَصِيَّةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ( وَأَسْمَعُ النَّاسَ يَعُدُّونَ مَنْ يُظْهِرُ خِلافَ مَا يُبْطِنُ مُنَافِقًا فَكَيْفَ لِي بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّخَلُّصِ مِنْ النِّفَاقِ ؟ فَقَالَ النِّفَاقُ هُوَ إظْهَارُ الْجَمِيلِ وَإِبْطَانُ الْقَبِيحِ وَإِضْمَارُ الشَّرِّ مَعَ إظْهَارِ الْخَيْرِ لإِيقَاعِ الشَّرِّ , وَاَلَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ إظْهَارُ الْحَسَنِ فِي مُقَابَلَةِ الْقَبِيحِ لاسْتِدْعَاءِ الْحُسْنِ .

قَالَ فِي الآدَابِ: فَخَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ النِّفَاقَ إبْطَانُ الشَّرِّ وَإِظْهَارُ الْحُسْنِ لإِيقَاعِ الشَّرِّ الْمُضْمَرِ , وَمَنْ أَظْهَرَ الْجَمِيلَ وَالْحُسْنَ فِي مُقَابَلَةِ الْقَبِيحِ لِيَزُولَ الشَّرُّ فَلَيْسَ بِمُنَافِقٍ لَكِنَّهُ يَسْتَصْلِحُ , أَلا تَسْمَعُ إلَى قوله تعالى )فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( فَهَذَا اكْتِسَابُ اسْتِمَالَةٍ وَدَفْعُ عَدَاوَةٍ وَإِطْفَاءٌ لِنِيرَانِ الْحَقَائِدِ , واستنماء الْوُدِّ وَإِصْلاحُ الْعَقَائِدِ .

فَهَذَا طَلَبُ الْمَوَدَّاتِ وَاكْتِسَابُ الرِّجَالِ .

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا ( حُبُّك لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ ) .

وَرَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ .

وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ ( أَحْبِبْ حَبِيبَك هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَك يَوْمًا مَا , وَأَبْغِضْ بَغِيضَك هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَك يَوْمًا مَا ) قَالَ فِي الآدَابِ: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ .

وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:

وَأَبْغِضْ بَغِيضَك بُغْضًا رُوَيْدًا

إذَا أَنْتَ حَاوَلْت أَنْ تَحْكُمَا

وَأَحْبِبْ حَبِيبَك حُبًّا رُوَيْدًا

فَلَيْسَ يَغُولُك أَنْ تَصْرُمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت