فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 165""""""
فَظَنُّوهَا بِدْعَةً , وَقَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ , فَالْقَائِمُ بِهَا يُعَدُّ مُبْتَدِعًا وَمُبْدِعًا , كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا سَاذَجًا , أَوْ كَتَبَ مُصْحَفًا بِلا زُخْرُفٍ أَوْ صَعِدَ مِنْبَرًا فَلَمْ يَتَسَوَّدْ وَلَمْ يَدُقَّ سَيْفَ مَرَاقِي الْمِنْبَرِ , وَلَمْ يَصْعَدْ عَلَى عَلَمٍ وَلا مَنَارَةٍ , وَلا يَنْشُرُ عَلَمًا .
فَالْوَيْلُ لَهُ مِنْ مُبْتَدِعٍ عِنْدَهُمْ , أَوْ أَخْرَجَ مَيِّتًا لَهُ بِغَيْرِ صُرَاخٍ وَلا تَخْرِيقٍ , وَلا قَرَأَ وَلا ذَكَرَ صَحَابَةً عَلَى النَّعْشِ وَلا قَرَابَةً .
انْتَهَى .
فَالْبِدْعَةُ صَارَتْ مَأْلُوفَةً , وَالسُّنَنُ مُنْكَرَةً غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ , فَيَحْتَاجُ الآمِرُ النَّاهِي إلَى مَزِيدِ صَبْرٍ وَتَسْلِيمٍ , وَاسْتِعَانَةٍ بِالْعَزِيزِ الْحَلِيمِ .
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ: إذَا أَمَرْت أَوْ نَهَيْت فَلَمْ يَنْتَهِ فَلا تَرْفَعْهُ إلَى السُّلْطَانِ لِيُعْدَى عَلَيْهِ .
فَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ أَيْضًا: مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ خَوْفَ التَّلَفِ , وَكَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ ( لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ , قِيلَ كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلاءِ مَا لا يُطِيقُ ) رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا .
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَ الإِنْكَارِ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَغَيْرِهَا .
وَفِي الآدَابِ الْكُبْرَى: وَقِيلَ إنْ زَادَ يَعْنِي الأَذَى عَلَى الْمُنْكَرِ وَجَبَ الْكَفُّ , وَإِنْ تَسَاوَيَا سَقَطَ الإِنْكَارُ يَعْنِي وُجُوبَهُ .
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَأَمَّا السَّبُّ وَالشَّتْمُ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ فِي السُّكُوتِ لأَنَّ الآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ يَلْقَى ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ .
وَظَاهِرُ كَلامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ عُذْرٌ لأَنَّهُ أَذًى , وَلِهَذَا يَكُونُ تَأْدِيبًا وَتَعْزِيزًا , وَقَدْ قَالَ لَهُ يَعْنِي لِلإِمَامِ أَحْمَدَ رضي الله عنه: أَبُو دَاوُدَ يُشْتَمُ , قَالَ يَحْتَمِلُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى لا يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ .
قَالَ الإِمَامُ شَيْخُ الإِسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ عِنْدَ الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ , إمَّا تَعْطِيلُ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ , وَإِمَّا حُصُولُ فِتْنَةٍ وَمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ مِنْ مَفْسَدَةِ تَرْكِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَوْ مِثْلِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا , وَكِلاهُمَا مَعْصِيَةٌ وَفَسَادٌ .
قَالَ تَعَالَى
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ فَمَنْ أَمَرَ وَلَمْ يَصْبِرْ , أَوْ صَبَرَ وَلَمْ يَأْمُرْ , أَوْ لَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَصْبِرْ , حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ مَفْسَدَةٌ , وَإِنَّمَا الصَّلاحُ فِي أَنْ يَأْمُرَ وَيَصْبِرَ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي يُسْرِنَا وَعُسْرِنَا , وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا , وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا , وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ , وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا , لا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ .