فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 164""""""
يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مَعَ جَزْمٍ . ثُمَّ هُوَ قِسْمَانِ فَرْضُ عَيْنٍ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِمَا فَلا يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ . وَالْقِسْمُ الثَّانِي فَرْضُ كِفَايَةٍ وَيَأْتِي فِي كَلامِ النَّاظِمِ .
وَقَدْ يَصِيرُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فَرْضَ عَيْنٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّاظِمُ .
وَقَوْلُهُ ( تَسْدَدِ ) مَجْزُومٌ فِي جَوَابِ الطَّلَبِ مِنْ قَوْلِهِ اجْعَلْ كَقَوْلِهِ
)قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ ( وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وَتَقُولُ ائْتِنِي أُكْرِمْك أَيْ أَنْ تَجْعَلَ أَمْرَكَ بِالْمَعْرُوفِ فَرْضَ عَيْنٍ تَسْدَدْ , وَإِنَّمَا حُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ . وَالتَّسْدِيدُ التَّقْوِيمُ وَالتَّوْفِيقُ لِلسَّدَادِ , أَيْ الصَّوَابِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ , وَالتَّوْفِيقُ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ , وَالْخِذْلانُ ضِدُّهَا .
عَلَى عَالِمٍ بِالْحَظْرِ وَالْفِعْلِ لَمْ يَقُمْ
سِوَاهُ مَعَ أَمْنِ عُدْوَانِ مُعْتَدِ
( عَلَى عَالِمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضَ عَيْنٍ ( بِالْحَظْرِ ) أَيْ الْمَنْعِ وَالْحُرْمَةُ , وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِعَالِمٍ ( وَالْفِعْلُ ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْفِعْلَ ( لَمْ يَقُمْ ) أَيْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الإِقَامَةِ ( سِوَاهُ ) أَيْ غَيْرُ ذَلِكَ بِالْعَالِمِ بِالْحَظْرِ ( بِهِ ) أَيْ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ ذَلِكَ الْمَحْظُورِ الَّذِي هُوَ الْمُنْكَرُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَقُمْ , وَجُمْلَةُ ( وَالْفِعْلُ لَمْ يَقُمْ بِهِ ) إلَخْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ , وَإِنَّمَا يُجْعَلُ فِي حَقِّهِ فَرْضَ عَيْنٍ حَيْثُ عَلِمَ بِالْحَظْرِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ سِوَاهُ , وَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ( مَعَ أَمْنٍ ) مِنْ ضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ أَهْلِهِ , فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَمْنُ ( عُدْوَانِ مُعْتَدِّ ) أَيْ ظُلْمُ ظَالِمِ .
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: عَدَا عَلَيْهِ عَدْوًا وَعُدُوًّا وَعَدَاءً وَعُدْوَانًا بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ وعُدوى بِالضَّمِّ: ظَلَمَهُ كتعدى وَاعْتَدَى .
قَالَ فِي الآدَابِ الْكُبْرَى: الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ شَرْعًا , وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُوَ كُلُّ مَا يُنْهَى عَنْهُ شَرْعًا , فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ جَزْمًا وَشَاهَدَهُ وَعَرَفَ مَا يُنْكِرُ وَلَمْ يَخَفْ سَوْطًا وَلا عَصًى وَلا أَذًى .
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يَزِيدُ عَلَى الْمُنْكَرِ أَوْ يُسَاوِيهِ , وَلا فِتْنَةَ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ أَهْلِهِ .
وَأَطْلَقَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ سُقُوطَهُ بِخَوْفِ الضَّرَرِ وَالْحَبْسِ وَأَخْذِ الْمَالِ , وَإِنَّهُ ظَاهِرٌ .
نَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ فِي إسْقَاطِهِ بِالْعَصَا خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلانِيِّ , وَأَسْقَطَهُ أَيْضًا بِأَخْذِ الْمَالِ الْيَسِيرِ لا بِالتَّوَهُّمِ .
فَلَوْ قِيلَ لَهُ لا تَأْمُرْ عَلَى فُلانٍ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُك لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ لِذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الإِرْشَادِ: مِنْ شُرُوطِ الإِنْكَارِ أَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لا يُفْضِي إلَى مَفْسَدَةٍ .
وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفُنُونِ: مِنْ أَعْظَمِ مَنَافِعِ الإِسْلامِ وَآكَدِ قَوَاعِدِ الأَدْيَانِ الأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالتَّنَاصُحُ , فَهَذَا أَشَقُّ مَا يَحْمِلُهُ الْمُكَلَّفُ لأَنَّهُ مَقَامُ الرُّسُلِ حَيْثُ يَنْقُلُ صَاحِبَهُ عَنْ الطِّبَاعِ , وَتَنْفِرُ مِنْهُ نُفُوسُ أَهْلِ اللَّذَّاتِ , وَتَمْقُتُهُ أَهْلُ الْخَلاعَةِ وَهُوَ إحْيَاءٌ لِلسُّنَنِ وَإِمَاتَةٌ لِلْبِدَعِ , إلَى أَنْ قَالَ: لَوْ سَكَتَ الْمُحِقُّونَ وَنَطَقَ الْمُبْطِلُونَ لَتَعَوَّدَ النَّشْءُ مَا شَاهَدُوا , وَأَنْكَرُوا مَا لَمْ يُشَاهِدُوا .
فَمَتَى رَامَ الْمُتَدَيِّنُ إحْيَاءَ سُنَّةٍ أَنْكَرَهَا النَّاسُ