فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 205""""""
لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا , وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْهَجْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ
)وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا( وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ
)فَصَبْرٌ جَمِيلٌ( وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِه
)فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا أَذًى مَعَهُ .
وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا شَكْوَى مَعَهُ .
وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا عِتَابَ مَعَهُ .
وَكَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رضي الله عنه يَقُولُ: مُصَارَمَةٌ جَمِيلَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مَوَدَّةٍ عَلَى دَخَلٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ .
قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مَا تَقَضَّى الْوُدُّ إلا مُكَاثِرًا فَهَجْرٌ جَمِيلٌ عِنْدَ ذَلِكَ صَالِحُ .
3 ( مطلب لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ) 3
( الثَّانِي ) مِمَّا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ , وَيَغْفِرَ زَلَّتَهُ , وَيَرْحَمَ عَبْرَتَهُ وَيُقِيلَ عَثْرَتَهُ , وَيَقْبَلَ مَعْذِرَتَهُ , وَيَرُدَّ غِيبَتَهُ , وَيُدِيمَ نَصِيحَتَهُ , وَيَحْفَظَ خُلَّتَهُ , وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ , وَيُجِيبَ دَعَوْتَهُ , وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ , وَيُكَافِئَ صِلَتَهُ , وَيَشْكُرَ نِعْمَتَهُ , وَيُحْسِنَ نُصْرَتَهُ , وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ , وَيَشْفَعَ مَسْأَلَتَهُ وَيُشَمِّتَ عَطْسَتَهُ , وَيَرُدَّ ضَالَّتَهُ , وَيُوَالِيَهُ وَلا يُعَادِيَهُ , وَيَنْصُرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ , وَيَكُفَّهُ عَنْ ظُلْمِ غَيْرِهِ , وَلا يُسْلِمَهُ , وَلا يَخْذُلَهُ , وَيُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .
ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ , وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ , نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ الْكَفُّ عَنْ مساوئ النَّاسِ وَعُيُوبِهِمْ , كَذَا عِبَارَاتُهُمْ .
قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَالأَوْلَى يَجِبُ وَهُوَ كَمَا قَالَ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الَّتِي يُسِرُّونَهَا , وَعَمَّا يَبْدُو مِنْهُمْ غَفْلَةٌ أَوْ غَلَبَةٌ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ , أَوْ صَوْتِ رِيحٍ , وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَالأَوْلَى لِلسَّامِعِ أَنْ يُظْهِرَ طَرَشًا أَوْ غَفْلَةً أَوْ نَوْمًا أَوْ يَتَوَضَّأَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَتْرًا لِذَلِكَ .
انْتَهَى .
قَالَ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى رِيبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتُرَهَا وَيَعِظَهُ مَعَ ذَلِكَ وَيُخَوِّفَهُ بِاَللَّهِ .
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
وَإِنِّي لأَعْفُو عَنْ ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ
وَفِي دُونِهَا قَطْعُ الْحَبِيبِ الْمُوَاصِلِ
وَأُعْرِضُ عَنْ ذِي اللُّبِّ حَتَّى كَأَنَّنِي
جَهِلْت الَّذِي يَأْتِي وَلَسْت بِجَاهِلِ
وَأَنْشَدَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَعْنَى:
وَمَنْ لَمْ يَغُضَّ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ
وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهُوَ عَائِبُ
وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ
يَجِدْهَا وَلا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ
هَذَا كُلُّهُ فِي هِجْرَانِ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلالِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي نَظْمِهِ فَقَالَ: