الصفحة 202 من 830

""""""صفحة رقم 205""""""

لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا , وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْهَجْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ

)وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا( وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِهِ

)فَصَبْرٌ جَمِيلٌ( وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ فِي قَوْلِه

)فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا أَذًى مَعَهُ .

وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا شَكْوَى مَعَهُ .

وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لا عِتَابَ مَعَهُ .

وَكَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رضي الله عنه يَقُولُ: مُصَارَمَةٌ جَمِيلَةٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ مَوَدَّةٍ عَلَى دَخَلٍ .

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ .

قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مَا تَقَضَّى الْوُدُّ إلا مُكَاثِرًا فَهَجْرٌ جَمِيلٌ عِنْدَ ذَلِكَ صَالِحُ .

3 ( مطلب لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ ) 3

( الثَّانِي ) مِمَّا لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ , وَيَغْفِرَ زَلَّتَهُ , وَيَرْحَمَ عَبْرَتَهُ وَيُقِيلَ عَثْرَتَهُ , وَيَقْبَلَ مَعْذِرَتَهُ , وَيَرُدَّ غِيبَتَهُ , وَيُدِيمَ نَصِيحَتَهُ , وَيَحْفَظَ خُلَّتَهُ , وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ , وَيُجِيبَ دَعَوْتَهُ , وَيَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ , وَيُكَافِئَ صِلَتَهُ , وَيَشْكُرَ نِعْمَتَهُ , وَيُحْسِنَ نُصْرَتَهُ , وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ , وَيَشْفَعَ مَسْأَلَتَهُ وَيُشَمِّتَ عَطْسَتَهُ , وَيَرُدَّ ضَالَّتَهُ , وَيُوَالِيَهُ وَلا يُعَادِيَهُ , وَيَنْصُرَهُ عَلَى ظَالِمِهِ , وَيَكُفَّهُ عَنْ ظُلْمِ غَيْرِهِ , وَلا يُسْلِمَهُ , وَلا يَخْذُلَهُ , وَيُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ .

ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ , وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ نُصْحُ الذِّمِّيِّ , نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه .

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ الْكَفُّ عَنْ مساوئ النَّاسِ وَعُيُوبِهِمْ , كَذَا عِبَارَاتُهُمْ .

قَالَ الْحَجَّاوِيُّ: وَالأَوْلَى يَجِبُ وَهُوَ كَمَا قَالَ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ الَّتِي يُسِرُّونَهَا , وَعَمَّا يَبْدُو مِنْهُمْ غَفْلَةٌ أَوْ غَلَبَةٌ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ أَوْ خُرُوجِ رِيحٍ , أَوْ صَوْتِ رِيحٍ , وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَالأَوْلَى لِلسَّامِعِ أَنْ يُظْهِرَ طَرَشًا أَوْ غَفْلَةً أَوْ نَوْمًا أَوْ يَتَوَضَّأَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَتْرًا لِذَلِكَ .

انْتَهَى .

قَالَ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى رِيبَةٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتُرَهَا وَيَعِظَهُ مَعَ ذَلِكَ وَيُخَوِّفَهُ بِاَللَّهِ .

قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه: الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ:

وَإِنِّي لأَعْفُو عَنْ ذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ

وَفِي دُونِهَا قَطْعُ الْحَبِيبِ الْمُوَاصِلِ

وَأُعْرِضُ عَنْ ذِي اللُّبِّ حَتَّى كَأَنَّنِي

جَهِلْت الَّذِي يَأْتِي وَلَسْت بِجَاهِلِ

وَأَنْشَدَ الإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَعْنَى:

وَمَنْ لَمْ يَغُضَّ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ

وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهُوَ عَائِبُ

وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ

يَجِدْهَا وَلا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صَاحِبُ

هَذَا كُلُّهُ فِي هِجْرَانِ أَرْبَابِ الْمَعَاصِي . وَأَمَّا هِجْرَانُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلالِ فَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي نَظْمِهِ فَقَالَ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت