فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 87""""""
فَقُلْنَا مَا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ أَمَا تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ ؟ فَقُلْنَا وَمَا ذَاكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ هَذَانِ رَجُلانِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا عَذَابًا شَدِيدًا فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ ، قُلْنَا فِيمَ ذَاكَ ؟ قَالَ كَانَ أَحَدُهُمَا لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ ، وَكَانَ الآخَرُ يُؤْذِي النَّاسَ بِلِسَانِهِ وَيَمْشِي بَيْنَهُمْ بِالنَّمِيمَةِ .
فَدَعَا بِجَرِيدَتَيْنِ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ فَجَعَلَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً .
قُلْنَا وَهَلْ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَا رَطْبَتَيْنِ ) .
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَوْلُهُ ( فِي ذَنْبٍ هَيِّنٍ ) أَيْ هَيِّنٍ عِنْدَهُمَا وَفِي ظَنِّهِمَا لا أَنَّهُ هَيِّنٌ فِي نَفْسِ الأَمْرِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ( صلى الله عليه وسلم ) ( بَلَى إنَّهُ كَبِيرٌ ) قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَتْ الأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ وَأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
انْتَهَى .
أَوْ يُقَالُ: أَرَادَ ( صلى الله عليه وسلم ) أَنَّهُ هَيِّنٌ تَرْكُهُ وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ .
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ: قَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) عَنْ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا ، يَمْشِي أَحَدُهُمَا بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَيَتْرُكُ الآخَرُ الاسْتِبْرَاءَ مِنْ الْبَوْلِ ، فَهَذَا تَرَكَ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ .
وَذَلِكَ ارْتَكَبَ السَّبَبَ الْمُوقِعَ لِلْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا .
قَالَ وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُوقِعَ بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ أَعْظَمُ عَذَابًا .
كَمَا أَنَّ فِي تَرْكِ الاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْبَوْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ الَّتِي الاسْتِبْرَاءُ مِنْ الْبَوْلِ بَعْضُ وَاجِبَاتِهَا وَشُرُوطِهَا فَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا .
انْتَهَى .
وَقَدْ أَبْدَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ نُكْتَةَ ذَلِكَ وَهِيَ مِمَّا يُكْتَبُ بِالذَّهَبِ عَلَى صَفَحَاتِ الْقُلُوبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الإِنْسَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَقْضِي فِيهِ الْحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ الصَّلاةُ وَالدِّمَاءُ .
وَالطَّهَارَةُ أَقْوَى شُرُوطِ الصَّلاةِ وَمُقَدِّمَتُهَا ، فَإِذَا لَمْ يَتَنَزَّهْ مِنْ الْبَوْلِ وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ مِنْهُ فَقَدْ فَرَّطَ فِي شَرْطِ الصَّلاةِ .
وَسَبَبُ وُقُوعِ النَّاسِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ وَإِرَاقَتِهَا بِغَيْرِ حَقِّ الْعَدَاوَةُ ، وَمُقَدِّمَتُهَا النَّمِيمَةُ ، فَإِنَّهَا سَبَبُ الْعَدَاوَةِ ، وَعَذَابُ الْقَبْرِ مُقَدِّمَةُ عَذَابِ النَّارِ ، فَنَاسَبَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُقَدِّمَاتِ أَوَّلا .
فَانْظُرْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ وَتَأَمَّلْهَا تَجِدْهَا فِي غَايَةِ الْمُطَابَقَةِ جَزَاءً وِفَاقًا .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ مَرْفُوعًا ( لَيْسَ مِنِّي ذُو حَسَدٍ وَلا نَمِيمَةٍ وَلا كِهَانَةٍ وَلا أَنَا مِنْهُ .
ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدْ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) .
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ( صلى الله عليه وسلم ) ( خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إذَا رُءُوا ذُكِرَ اللَّهُ ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ الْعَنَتَ ) .
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) ( إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ ) وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا ( تَجِدُونَ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ) وَلأَبِي دَاوُدَ وَالتَّرْمِذِيِّ ( أَنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ ) .