""""""صفحة رقم 12""""""
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ ( كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ ) قَدْ رُوِيَ بِلَفْظِ ( كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ ) رَوَاهُ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ ( بِحَمْدِ اللَّهِ ) ، وَالْكُلُّ بِلَفْظِ ( أَقْطَعُ ) وَفِي رِوَايَةٍ ( أَجْذَمُ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ ( كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ ) أَيْضًا وَفِي رِوَايَةٍ ( لا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ ) فَتَكُونُ الرِّوَايَاتُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَبِالْحَمْدِ لِلَّهِ ، وَبِحَمْدِ اللَّهِ ، وَبِذِكْرِ اللَّهِ ، وَأَقْطَعُ ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ ، وَأَبْتَرُ وَأَجْذَمُ .
وَمَعْنَى ( ذِي بَالٍ ) أَيْ صَاحِبِ حَالٍ وَشَأْنٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا ، فَيَخْرُجُ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ ، وَمَعْنَى ( الأَبْتَرُ ، وَالأَقْطَعُ ، وَالأَجْذَمُ ) نَاقِصُ الْبَرَكَةِ ، فَإِنَّ الْبَتْرَ قَطْعُ الذَّنَبِ ، وَالْقَطْعُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، وَالْجَذْمُ قَطْعُ الأَطْرَافِ أَوْ فَسَادُهَا وَلَكِنْ فِي الْمَعْنَوِيِّ نَاقِصُ الْبَرَكَةِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلا مِنْهُمَا نَاقِصٌ .
وَلِمُلاحَظَةِ النَّاظِمِ رحمه الله تعالى رِوَايَةَ ( كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ) بَدَأَ مَنْظُومَتَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ
الكلام على الحمد والشكر
بِحَمْدِكَ ذِي الإِكْرَامِ مَا رُمْت أَبْتَدِي
كَثِيرًا كَمَا تَرْضَى بِغَيْرِ تَحَدُّدِ
( بِحَمْدِك ) أَيْ بِوَصْفِك الْجَمِيلِ الاخْتِيَارِيِّ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْحَمْدُ لُغَةً: هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ . وَالْحَمْدُ عُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا الشُّكْرُ لُغَةً فَهُوَ: الْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ ، وَعُرْفًا صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لأَجْلِهِ . فَبَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ وَالْعُرْفِيِّ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ، فَيَجْتَمِعَانِ فِيمَا إذَا كَانَ بِاللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ ، وَيَتَفَرَّدُ اللُّغَوِيُّ فِيمَا إذَا كَانَ بِاللِّسَانِ لا فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ ، وَيَنْفَرِدُ الْعُرْفِيُّ بِصِدْقِهِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ . فَمَوْرِدُ الْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ أَعَمُّ وَهُوَ اللِّسَانُ وَالأَرْكَانُ ، وَمُتَعَلِّقُهُ أَخَصُّ وَهُوَ كَوْنُهُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ ، وَالْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ عَكْسُهُ ، وَالْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ مَعَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ كَذَلِكَ ، إذْ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ هُوَ الْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ كَمَا عُلِمَ . وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ( صلى الله عليه وسلم ) يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، وَلِذَا جُعِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ الْمُصْحَفِ لافْتِتَاحِهَا بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَتَضَمُّنِهَا الثَّنَاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ ، وَنَقِيضُ الشُّكْرِ الْكُفْرُ . ( ذِي ) أَيْ صَاحِبِ ( الإِكْرَامِ ) فَذِي بَدَلٌ مِنْ الْكَافِ فِي بِحَمْدِك ، وَالإِكْرَامِ مُضَافٌ إلَيْهِ أَيْ مُكْرِمِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِلُطْفِهِ وَمِنَّتِهِ . وَفِي الْقُرْآنِ
)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ( وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
قَالَتْ ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ( صلى الله عليه وسلم )