""""""صفحة رقم 11""""""
فَإِنْ قِيلَ: الْعَادَةُ تَقْدِيمُ غَيْرِ الأَبْلَغِ لِيَرْتَقِيَ مِنْهُ إلَى الأَبْلَغِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ عَالِمٌ نِحْرِيرٌ وَجَوَادٌ فَيَّاضٌ ، فَالْجَوَابُ قَدْ قِيلَ إنَّ الرَّحِيمَ أَبْلَغُ ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خُصَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ ، فَقِيلَ رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الآخِرَةِ ، وَقِيلَ عَكْسُهُ ، وَقِيلَ الرَّحْمَنُ أَمْدَحُ وَالرَّحِيمُ أَلْطَفُ .
وَقِيلَ إنَّمَا خُولِفَتْ الْعَادَةُ لأَنَّهُ أُرِيدَ أَنْ يُرْدَفَ الرَّحْمَنُ الَّذِي تَنَاوَلَ جَلائِلَ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِتَنَاوُلِهِ مَا دَقَّ مِنْهَا وَلَطُفَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي: الْحَقُّ قَوْلُ الأَعْلَمِ وَابْنِ مَالِكٍ أَنَّ الرَّحْمَنَ لَيْسَ بِصِفَةٍ بَلْ عَلَمٍ .
قَالَ وَبِهَذَا لا يُتَّجَهُ السُّؤَالُ وَيَنْبَنِي عَلَى علميته أَنَّهُ فِي الْبَسْمَلَةِ وَنَحْوِهَا بَدَلٌ لا نَعْتٌ ، وَأَنَّ الرَّحِيمَ بَعْدَهُ نَعْتٌ لَهُ لا نَعْتٌ لاسْمِ اللَّهِ ، إذْ لا يُقَدَّمُ الْبَدَلُ عَلَى النَّعْتِ .
قَالَ وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ غَيْرُ صِفَةٍ مَجِيئُهُ كَثِيرًا غَيْرَ تَابِعٍ نَحْوُ
)الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( ) قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ ( ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ( وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ مَجِيئَهُ كَثِيرًا غَيْرَ تَابِعٍ لا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الصِّفَةِ لأَنَّ الْمَوْصُوفَ إذَا عُلِمَ جَازَ حَذْفُهُ وَإِبْقَاءُ صِفَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى
)وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ( أَيْ نَوْعٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَاخْتِلافِ السَّمَوَاتِ وَالْجِبَالِ ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ صِفَةٌ كَالرَّحِيمِ بِحَسَبِ الأَصْلِ فَمُشْتَقَّانِ مِنْ رَحُمَ بِجَعْلِهِ لازِمًا بِنَقْلِهِ إلَى بَابِ فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ أَوْ بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللازِمِ إذْ هُمَا صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ وَهِيَ لا تُشْتَقُّ مِنْ مُتَعَدٍّ . وَرَحْمَتُهُ تَعَالَى صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ وَالإِنْعَامَ ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِرِقَّةٍ فِي الْقَلْبِ تَقْتَضِي الإِنْعَامَ كَمَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا يَلِيقُ بِرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْعِلْمُ ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ الْمُتَّصِفَ بِهَا تَعَالَى لَيْسَتْ مِثْلَ الْحَقِيقَةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَخْلُوقِ ، بَلْ نَفْسُ الإِرَادَةِ الَّتِي يَرُدُّونَ الرَّحْمَةَ إلَيْهَا هِيَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُخَالِفَةٌ لإِرَادَةِ الْمَخْلُوقِ ، إذْ هِيَ مَيْلُ قَلْبِهِ إلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ ، وَإِرَادَتُهُ تَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ .
وَكَذَا رَدُّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى إلَى الْفِعْلِ بِمَعْنَى الإِنْعَامِ مَعَ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ الاخْتِيَارِيَّ إنَّمَا يَكُونُ لِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْفَاعِلِ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ ، وَفِعْلُهُ تَعَالَى بِخِلافِ ذَلِكَ ، فَمَا فَرُّوا إلَيْهِ فِيهِ مِنْ الْمَحْذُورِ نَظِيرُ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ .
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُ لا حَاجَةَ إلَى دَعْوَى الْمَجَازِ فِي رَحْمَتِهِ تَعَالَى ، إذْ هُوَ خِلافُ الأَصْلِ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ نَفْيِهَا عَنْهُ وَضَعْفِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا فِيهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمَجَازِ ، إذْ يَصِحُّ أَنْ نَقُولَ لِمَنْ قَالَ زَيْدٌ أَسَدٌ لَيْسَ بِأَسَدٍ وَلَيْسَتْ جَرَاءَتُهُ كَجَرَاءَتِهِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّفَةَ تَارَةً تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ ، وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِهِ تَعَالَى ، وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ قِيَامُهَا بِغَيْرِهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَتْ الاعْتِبَارَاتُ الثَّلاثَةُ مُتَمَاثِلَةً إذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعَالَى شَيْءٌ لا فِي ذَاتِهِ وَلا فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَلا فِي شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهِ .
ذَكَرَ ذَلِكَ الإِمَامُ الْعَلامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ .