ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره .
فالأول: يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره .
والثاني: قد طُفِئَ نوره فهو ؛ يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته .
والثالث: يمشي في نوره وحده .
[ والطريق الثالث المانع من حصول تعلق القلب:حفظ الخطرات ] وشأنها أصعب ؛ فإنها مبدأ الخير والشر ، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم .
فمن راعى خطراته ؛ ملك زمام نفسه وقهر هواه ،ومن غلبته خطراته ؛ فهواه ونفسه له أغلب ،ومن استهان بالخطرات ؛ قادته قهرا إلى الهلكات .
ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مُنىً باطلة { كسراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب } [النور:39] .
وأخس الناس همة و أوضعهم نفسًا من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة ، واستجلبها لنفسه ، وتحلى بها .
وهي ـ لعمر الله ـ رؤوس أموال المفلسين ومتاجر الباطلين ، وهي أضر شيء على الإنسان ،وتتولد من العجز والكسل،وتُولِّد التفريطَ والحسرة والندامة .
والمتمنّي لما فاته مباشرة الحقيقة بجسمه ، حوّل صورتها في قلبه ، وعانقها، وضمها إليه ، فقنع بوصال صورةٍ وهمية خالية صَوّرها فكره ،وذلك لا يجدي عليه شيئا ،وإنما مثله مثل الجائع والظمآن ؛يصور في وهمه صورة الطعام والشراب، وهو لا يأكل ولا يشرب .
والسكون منه إلى ذلك واستجلابه يدل على خساسة النفس ووضاعتها .
وإنما شرف النفس وزكاؤها وطهارتها وعلوها بأن ينفى عنها كل خَطرة لا حقيقة لها ، ولا يرضى أن يُخْطرها بباله ،ويأنف لنفسه منها .
ثم الخطرت ـ بعد ـ أقسام تدور على أربعة أصول:
ـ خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه .
ـ وخطرات يستدفع بها مضار دنياه .
ـ وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته .
ـ وخطرات يستدفع بها مضار آخرته .
فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة.