العاشرة:أن بين العين والقلب منفذًا و طريقا يوجب اشتغال أحدهما عن الآخر، وأن يصلح بصلاحه،ويفسد بفساده، فإذا خربت العين وفسدت ؛ خرب القلب وفسد وصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ ؛فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته و الإنابة إليه والأنس به والسرور بقربه فيه ،وإنما يسكن فيه أضداد ذلك .
صدق الله العظيم الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب: اشتغال القلب بما يصده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه ، وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج ،فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب ، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب ، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب ، و فواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بدًا من عشق الصور .
وشرح هذا: أن النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب أعلى منه ،أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب .
وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين ، إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه:
أحدهما: بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه ، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما ، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما .
وهذا خاصة العقل ، ولا يُعد عاقلًا من كان بضد ذلك ،بل قد تكون البهائم أحسن حالًا منه .
الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن بهما من هذا الفعل والترك .
فكثيرًا ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزيمته على إيثار الأنفع من خسته وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته .
ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره .
وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين ، فقال تعالى ـ وبقوله يهتدي المهتدون ـ: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } [ السجدة:24] وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع به الناس ، وضد ذلك لا ينتفع بعلمه ،ولا ينتفع به غيره .