فهرس الكتاب
يجريان بحساب معلوم في منازل لايعدوانها ولا يحيدان عنها، وقال ابن زيد وكيسان يعني: أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئًا لو كان الدهر كله ليلًا أو نهارًا، وقال السدي: بحسبان تقدير آجالهما، أي تجري بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} (2) سورة الرعد، وقال: الضحاك، بقدر، مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى، يعني قطبها يدوران في مثل القطب" (1) ."
فحتى على قول من قال أن المعنى: أن الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم في منازل لايعدوانها ولا يحيدان عنها، حتى على هذا القول، ما علاقة ذلك برؤية الهلال وإثبات الشهر؟ هل كون الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم فيه دلالة على جواز - فضلًا عن وجوب - الأخذ بالحساب في إثبات الشهر القمر؟
نحن نعلم علم اليقين أن كل ما في هذا الكون لا يسير ولا يتحرك ولا يسكن إلا بتقدير من الله الحكيم العليم، فالله أخبرنا أن كل أمر يحصل إنما يحصل بتقديره، والله الذي أخبرنا عن ذلك هو الذي أمرنا أن نطيع رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: «َصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» (2) .
2 -وأما قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (5) سورة يونس، وقوله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (12) سورة الإسراء، فقد قال القرطبي فيها:"أي لو لم يفعل ذلك لما عُرف الليل من النهار" (3) ، فواضح أن الآيتين الكريمتين لا تدلان على ما ذهب إليه من استدل بهما.
الدليل الثالث: عن ابنَ عمرَ - رضيَ اللّهُ عنهما - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنهُ قال: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا. يَعني مرَّةً تسعةً وعشرينَ ومرَّةً ثلاثين» (4) .
(1) [الجامع لأحكام القرآن] للقرطبي (7\ 134) .
(2) سبق تخرجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في (صـ 17) .
(3) [الجامع لأحكام القرآن] للقرطبي (10\ 200) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصوم / باب قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا نَكتُبُ ولا نَحسُب» (1892) ، ومسلم في صحيحه في كتاب الصيام / باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، والفطر لرؤية الهلال =