فهرس الكتاب
الترجيح:
يظهر مما سبق قوة وصراحة وصحة أدلة القول الأول القائلين بتحريم استخدام الحساب الفلكي في إثبات الشهور القمرية، وأما من قال بالوجوب أو الجواز، فقولهم مخالف للنص، وكل ما استدلوا به من النصوص الشرعية إنما استدلوا بمفهومها، وبعض الأدلة لووا أعناقها لكي تدل على ما قالوا، وأما التعليلات التي ذكروها فهي في مقابل النصوص فتسقط، ولما نترك الصريح الواضح المنطوق، ونذهب إلى المفهوم والمبهم أحيانًا؟
يظهر لنا من كل ما سبق صحة القول الأول.
وديننا دين واضح لا إبهام فيه، وشرعنا الواضح لا يمكن أن يحيلنا إلى أمر مضطرب غير منضبط.
وقد ردنا شرعنا إلى أمر واضح منضبط بإمكان علماء المسلمين وجهالهم معرفته بيسر، ألا وهو الخروج ليلة الثلاثين من كل شهر لتراءي الهلال، فإن راءوه فقد ثبت دخول الشهر، وإلا أتموا شهرهم ثلاثين يومًا ثم يثبت بعد ذلك دخول الشهر الذي بعده، فلماذا نترك هذا الوضوح والبيان والانضباط ونركن إلى أمر قد شهد بعض علماءه أنه لا يمكن ضبطه؛ لأن مواقع الشمس والقمر لا تتكرر في فترات منتظمة.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام.
وحتى على فرض وقوعنا في الخطأ بسبب اعتمادنا على رؤية الهلال فنحن غير مؤاخذين - إن شاء الله -، قال الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -:"ولو فرضنا أن المسلمين أخطأوا في إثبات الهلال دخولًا أو خروجًا وهم معتمدون في إثباته على ما صحت به السنة عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عليهم في ذلك بأس، بل كانوا مأجورين ومشكورين من أجل اعتمادهم على ما شرعه الله لهم وصحت به الأخبار عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، ولو تركوا ذلك لأجل قول الحاسبين مع قيام البينة الشرعية برؤية الهلال دخولًا أو خروجًا لكانوا آثمين، وعلى خطر عظيم من عقوبة الله - عز وجل -؛ لمخالفتهم ما رسمه لهم نبيهم وإمامهم محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - التي حذر الله منها في قوله - عز وجل -: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النور، وفي قوله - عز وجل -: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ"