أمَّا بَعْد،،
يُعدّ حديث الاجتهاد في لأحكام -: (أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أراد أن يبعثَ معاذا إِلى اليمن، قال له: «كيف تقضي إِذا عَرَضَ لك قضاء؟ قال: أَقْضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بِسُنَّةِ رسول الله، قال: فَإِن لم تجد في سُنَّةِ رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلُو، قال: فضرب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ، وقال: الحمد لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لِمَا يُرضي رسولَ الله» ) - مِن الأحاديث المشهورة المذكورة في دواوين الإسلام، من كتب السُنن و المساند و غيرها من المُصنفات في الأحاديث و الآثار [1] . و هو حديثٌ مشهور، تلقته الأمة بالقبول [2] ، يرويه الإمام النَقّاد شُعبة بن الحجاج [3] ، رواه عنه جماعة من الرفقاء و الأئمة، منهم عبد الرحمن بن مهدي و يحيى بن سعيد القطان و عبد الله بن المبارك و أبو داود الطيالسي؛ كما قال القاضي ابن العربي. [4]
* و هذا الحديث مِن عيون أحاديث شُعبة (ت 160 هـ) ، التي جاءت الرواية بتحديثه به؛ فيما أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه"الجامع لأخلاق الراوي"؛ قال: أخبرني عبدالله بن يحيى السكري أنا محمد بن عبدالله بن إبراهيم الشافعي نا جعفر بن محمد بن الأزهر نا ابن الغلابي نا أبو داود، قال: شهدتُ شٍُعبةَ بن الحجاج وأتاه رجل بابنٍ له، فقال: يا أبا بسطام! حدِّث ابني هذا بخمسة احاديث. قال: هَلُمَّ. قال بحديث بكير بن عطاء عن عبد الرحمن ابن يعمر، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الحج؟ فقال:"الحج عرفة". وحديث أبي عون الثقفي، عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة، عن أصحاب معاذ من أهل حمص، أن النبي صلى الله عليه و سلم حين بعثه إلى اليمن قال:"كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟"قال أقضي بكتاب الله". وحديث أبي عون عن ابن أبي ليلى: سافر ناس من الأنصار فارملوا. وحديث عبيد بن فيروز: سألت البراء: ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم من الضحايا؟. وحديث أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود، قال:"يؤم القوم أقرؤهم". فلما فرغ شعبة من هذه الاحاديث أقبل على الرجل، فقال: ما يُبالي ابنك هذا متى رُفعتْ جنازتي [5] . اهـ"
(1) الحديث أخرجه أبو داود و الترمذي في"سُننهما"، و الطيالسي و أحمد في"مسنديهما"، و غيرهم. و سيأتي تخريجه بعد.
(2) قال ابن قدامة المقدسي - في كتابه"الشرح الكبير": إنه حديثٌ مشهور في كتب أهل العلم، رواه سعيد بن منصور والامام أحمد وغيرهما، وتلقاه العلماء بالقبول، وجاء عن الصحابة من قولهم ما يوافقه. و قال أيضا في"روضة الناظر": ... ثم الحديث تلقته الأمة بالقبول. أهـ
و المراد بالشهرة هنا الشهرة في كتب أهل العلم، و الشهرة المعنوية.
(3) شعبة بن الحجاج بن الورد الواسطي مولى عتيك كنيته أبو بسطام، يروى عن قتادة وأبى إسحاق، روى عنه الثوري وحماد بن سلمة والبصريون، كان مولده سنة ثلاث وثمانين بنهريان قرية أسفل من واسط، ومات سنة ستين ومائة في أولها، وله يوم مات سبع وسبعون سنة، وكان أكبر من سفيان بعشر سنين ن وكان من سادات أهل زمانه حفظا وإتقانا وورعا وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانَب الضعفاء والمتروكين حتى صار علما يقتدى. [ثقات ابن حبان]
وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن، يعني في الرجال وبصره بالحديث وتثبته وتنقيته للرجال. [تهذيب التهذيب]
وقال الحاكم: شعبة إمام الائمة في معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من اربعمائة من التابعين. [تهذيب التهذيب]
(4) قال الإمام أبو بكر بن العربي في كلامه عن (إسناده) : اختلف الناس في هذا الحديث؛ فمنهم من قال إنه لا يصح و منهم من قال هو صحيح، و الدين: القول بصحته؛ فإنه حديثٌ مشهور، يرويه شعبة بن الحجاج، رواه عنه جماعة من الرفقاء و الأئمة، منهم يحيى بن سعيد و عبد الله بن المبارك و أبو داود الطيالسي. اهـ [عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي] .
(5) ذكره الخطيب البغدادي في (ما ينبغي ان يُسأل الراوي عنه من أحاديثه) ، و قال: فينبغي للطالب أن يَسأل الراوي عن عيون أحاديثه التي ثبتت أسانيدها وتقدم سماعه لها، ثم ذكَر تحديث شعبة بتلك الأحاديث [التي انتخبها من أكثر من ألفيّ حديث رواها] و منها حديثه هذا عن الحارث بن عمرو.