فهرس الكتاب
لقد كان ظهور الآلهة على الأرض بثوب البشر هو المخزون الرئيسي للميثولوجيا (الأساطير) و القصائد اليونانية و الرومانية منذ عهد الشاعر"هوميروس" ( [46] ) و ما بعد. فموضوع زيارة الآلهة متخذةً شكلًا بشريًا، يعود في قدمه إلى أقدم ملحمة إغريقية حيث نجد العبارات التالية في ملحمة الأوذيسة (7، 484) :
"ويل لك: إذا هبط إله من السماء. نعم، و الآلهة يأتون من بعيد بشكل غرباء و يلبسون كل نوع من الأشكال و يزورون المدن".
لاشك أنه من الصعب تحديد درجة الجدية التي كانت تؤخذ بها هذه القصص و الحكايات الأسطورية، إلا أنه مما لا ريب فيه أن كثيرًا من عامة الناس كانوا يؤمنون و يصدقون بما فيها فعلًا، و مما يدل على ذلك القصة التي رويت في سِفر"أعمال الرسل"في العهد الجديد (الإصحاح 14 / الفقرات 8 إلى 18) و التي تذكر أن أهالي مدينة"ليكأونية" ( [47] ) لما رأوا ما فعله بولس و برنابا من الخوارق و المعجزات، اعتبروهما إلهين تجسدا و تشبها بالناس و نزلا إليهم، فدعوا برنابا:"زيوس"و دعوا بولوس:"هرميس"و هما إلهان من أشهر آلهة الإغريق يساويان في المنزلة والمهام، إلهي الرومان"جوبيتر"و"ميركوري"اللذين ذكرهما الشاعر أوفيد كما أشرنا اليه من قبل.
و مع أنه يمكن أن يقال أن تلك الإشارات لإلهية بعض الأفراد لا تعدو كونها أفكارًا و خيالات أدبية و شعرية فقط، إلا أنها تفيد في تذكيرنا بأن مثل تلك الأفكار كانت سائدة و رائجة في فترة ظهور"عيسى"و كان من المألوف تطبيقها على الملوك و الحكام.
من تلك الأمثلة العديدة أصبح من الواضح أن الأساطير الدينية الإغريقية ـ الرومانية، التي تتحدث عن آلهة تهبط لعالم البشر و تظهر على الأرض بشكل إنسان، قد سبق استخدامها لأجل تفسير حياة شخصيات تاريخية، كما أن هذه الأساطير وجدت بزمن مبكر بشكل يكفي لجعلها متاحة و موجودة في المتناول للاستفادة منها و تخصيصها للغرض المسيحي.