وامهد لنفسك قبل ميتتها واذخر ليوم تفاضل الذخر
فكأن أهلك قد دعوك فلم تسمع وأنت محشرج الصدر
وكأنهم قد هيئوك بما يتهيأ الهلكى من العطر
وكأنهم قد قلبوك على ظهر السرير وظلمة القبر
يا ليت شعري كيف أنت على ظهر السرير وأنت لا تدري
أم ليت شعري كيف أنت إذا غسلت بالكافور والسدر
أم ليت شعري كيف أنت إذا وضع الحساب صبيحة الحشر
ما حجتك فيما أتيت وما قولك لربك بل وما العذر
ألا تكون أخذت عذرك أو أقبلت ما استدبرت من أمر
بل كان الصالحون يتحسرون عند الممات .. على فراق الأعمال الصالحات ..
ويودون لو طالت بهم الحياة للتزود في رفع الدرجات .. وتكثير الحسنات ..
احتضر عبد الرحمن بن الأسود .. فبكى .. فقيل له:
ما يبكيك!! وأنت .. أنت ..
يعني في العبادة والخشوع .. والزهد والخضوع ..
فقال: أبكي والله .. أسفًا على الصلاة والصوم .. ثمّ لم يزل يتلو حتى مات ..
أما يزيد الرقاشي فإنه لما نزل به الموت .. أخذ يبكي ويقول:
من يصلي لك يا يزيد إذا متّ؟ ومن يصوم لك؟
ومن يستغفر لك من الذنوب .. ثم تشهد ومات ..
هذه مشاهد الاحتضار .. لأرباب التعبدّ والأسرار ..
فلوا رأيتهم تجافوا عن دفء فرشهم في الأسحار ..
يخافون يومًا تنقلب فيه القلوب والأبصار ..
فدفنوا تحت الثرى .. وقد أرضوا من يعلم السرّ وأخفى ..
هذا هو احتضار المؤمنين .. وما عند الله خير وأبقى ..
الموت لا يفرق بين كبير وصغير .. ولا غني وفقير .. ولا عبد وأمير ..
هارون الرشيد
ذاك الذي ملك الأرض وملأها جنودًا ..
ذاك الذي كان يرفع رأسه .. فيقول للسحابة: أمطري في الهند أو في الصين .. أو حيث
شئت .. فوالله ما تمطرين في أرض إلا وهي تحت ملكي ..
هارون الرشيد .. خرج يومًا في رحلة صيد فمرّ برجل يقال له بُهلول ..
فقال هارون: عظني يا بُهلول ..
قال: يا أمير المؤمنين!! أين آباؤك وأجدادك؟ من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيك
قال هارون: ماتوا ..
قال: فأين قصورهم .. ؟ قال: تلك قصورهم ..
قال: وأين قبورهم؟ قال: هذه قبورهم ..
فقال بُهلول: تلك قصورهم .. وهذه قبورهم .. فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟
قال: صدقت .. زدني يا بهلول .. قال:
أما قصورك في الدنيا فواسعة * فليت قبرك بعد الموت يتسع
فبكى هارون وقال: زدني .. فقال: