فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 126

وقد اجتمع الأوزاعي بالمنصور حين دخل الشام ووعظه، وأحبه المنصور وعظمه، ولما أراد الانصراف استأذنه في أن لا يلبس السواد فأذن له، فلما خرج قال المنصور للربيع الحاجب: الحقه فسله لم كره لبس السواد؟ ولا تخبره أني قلت لك. فسأله الربيع فقال: لأني لم أر محرما أحرم فيه، ولا ميتا كفن فيه، ولا عروسا جليت فيه، فلهذا أكرهه.

وقد كان الأوزاعي في الشام معظما مكرما، أمره أعز عندهم من أمر السلطان، وهم به بعض الولاة، فقال له أصحابه: دعه عنك فوالله لو أمر الشاميين أن يقتلوك لقتلوك.

ولما مات جلس عند قبره بعض الولاة فقال: رحمك الله، فوالله لقد كنت أخاف منك أكثر مما أخاف من الذي ولاني. وقد قال أبو مسهر: ما مات الأوزاعي حتى جلس وحده، وسمع شتمه بأذنه.

وقال أبو خيثمة: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت جالسا عند الثوري، فجاءه رجل، فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب قلعت. قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي. فكتبوا ذلك، فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم أو في تلك الليلة.

وقال أبو مسهر: بلغنا أن سبب موت الأوزاعي أن امرأته أغلقت عليه باب حمام، فمات فيه، ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة. قال: وما خلف ذهبا ولا فضة ولا عقارا ولا متاعا، إلا ستة دنانير فضلت من عطائه. وكان قد اكتتب في ديوان الساحل.

وقال غيره: كان الذي أغلق عليه باب الحمام صاحب الحمام، وذهب إلى حاجة، ثم جاء ففتح الحمام، فوجده ميتا قد وضع يده اليمنى تحت خده وهو مستقبل القبلة، رحمه الله.

قلت: لا خلاف أنه مات ببيروت مرابطا، واختلفوا في سنة وفاته؛ فروى يعقوب بن سفيان عن سلمة قال: قال أحمد: قال يحيى: رأيت الأوزاعي، وتوفي سنة خمسين ومائة.

وقال الوليد بن مسلم: سنة ست وخمسين ومائة.

وقال العباس بن الوليد البيروتي: أخبرني أبي قال: توفي يوم الأحد، أول النهار لليلتين بقيتا من صفر، سنة سبع وخمسين ومائة. وهو الذي عليه الجمهور، وهو الصحيح، وهو قول أبي مسهر، وهشام بن عمار، والوليد بن مسلم - في أصح الروايات عنه - ويحيى بن معين، ودحيم، وخليفة بن خياط، وأبي عبيد، وسعيد بن عبد العزيز وغير واحد.

قال العباس بن الوليد: ولم يبلغ سبعين سنة.

قلت: وقال غيره: جاوز السبعين. والصحيح تسع وستون سنة؛ لأنه كان ميلاده في سنة ثمان وثمانون على الصحيح. وقيل: إنه ولد سنة ثلاث وتسعين، وهذا ضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت