فهرس الكتاب
وقال محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: خرجت يوما إلى الصحراء، فإذا رجل من جراد في السماء، وإذا شخص راكب على جرادة منها وعليه سلاح الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول: الدنيا باطل باطل باطل ما فيها، الدنيا باطل باطل باطل ما فيها، الدنيا باطل باطل باطل ما فيها.
وقال الأوزاعي: كان عندنا رجل يخرج يوم الجمعة إلى الصيد ولا ينتظر الجمعة، فخسف ببغلته، فلم يبق منها إلا أذنها.
وخرج الأوزاعي يوما من باب مسجد بيروت وهناك دكان فيه ناطف، وإلى جانبه رجل يبيع البصل وهو يقول: يا أحلى من الناطف. فقال: سبحان الله! ما يرى هذا بالكذب بأسا.
وقال الواقدي: قال الأوزاعي: كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذ صرنا أئمة يقتدى بنا فينبغي أن نتحفط.
وكتب إلى أخ له: أما بعد، فقد أحيط بك من كل جانب، وإنه يسار بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والقيام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به، والسلام.
وقال ابن أبي الدنيا حدثني محمد بن إدريس، سمعت أبا صالح كاتب الليث يذكر عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي، أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل، وأنتم فيها مرحلون، خلائف بعد القرون التي استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما، وأعظم آثارا، فخددوا الجبال وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم وعفت آثارهم، وأخربت منازلهم، وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا، كانوا بلهو الأمل آمنين، ولميقات يوم غافلين، أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بيانا من عقوبة الله، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين، وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمه، وزوال نعمه، ومساكن خاوية، وفيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة، في زمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل غير، وعقوبات عبر، وأرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بالأماني، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى نذره وانتهى، وعقل مثواه فمهد لنفسه.