فهرس الكتاب
ولما دخل عبد الله بن علي دمشق وسلب الملك من بني أمية تطلب الأوزاعي، فتغيب عنه ثلاثة أيام، ثم أحضر بين يديه. قال: دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة، والمسودة عن يمينه وشماله، معهم السيوف مصلته والعمد الحديد، فسلمت فلم يرد، ونكت بتلك الخيزرانة التي في يده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أولئك الظلمة أرباط هو؟ قال: فقلت: أيها الأمير، سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: سمعت محمد بن إبراهيم التيمى يقول: سمعت علقمة بن وقاص يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه قال: فنكت بالخيزرانة أشد مما كان ينكت، وجعل من حوله يعضون أيديهم، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة فنكت أشد من ذلك، ثم قال: ما تقول في أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي. فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن يتم ما ابتدءوني به من الإحسان. فقال: كأنك تحب الإنصراف؟ فقلت: إن ورائي حرما، وهم محتاجون إلى القيام عليهم وسترهم. قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي، فأمرني بالانصراف، فلما خرجت إذا رسوله من ورائي، وإذا معه مائتا دينار، فقال: يقول لك الأمير: أنفق هذه. قال: فتصدقت بها.
وكان في تلك الأيام الثلاثة صائما طاويا، فيقال: إن الأمير لما بلغه ذلك عرض عليه الإفطار عنده، فأبى أن يفطر عنده، رحمه الله.
قالوا: ثم رحل الأوزاعي من دمشق فنزل بيروت مرابطا بأهله وأولاده. قال: وأعجبني فيها أني مررت بقبورها، فإذا امرأة سوداء، فقلت لها: أين العمارة يا هنتاه؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه، وإن كنت تريد الخراب فأمامك. وأشارت إلى البلد، فعزمت على الإقامة بها.